الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم الإجتماع

تمثل الجريمة ظاهرة اجتماعية قبل أن تكون حالة قانونية، وتعد واحدة من أبرز مشكلات العالم المزمنة، تعددت أشكالها وتنامت لتشكل خطرا محدقا يهدد الأمن الإجتماعي بمفهومه الشامل،مما يفرض ضرورة تكاتف مؤسسات المجتمع للحد من انتشارها ومواجهتها والوقاية منها، وأصبحت تمثل مكانة متقدمة بين المشكلات الإجتماعية المدرجة على قوائم أولويات المجتمعات الإنسانية للوصول إلى الأسلوب الأمثل للتعامل معها والتخفيف من آثارها.

والجريمة كظاهرة اجتماعية لا يمكن القضاء عليها نهائيا أو منع حدوثها، ولكن ينظر إلى زيادة معدلاتها السنوية بشكل مضطرد، وتركها آثارا سلبية تضر بكيان أي مجتمع إنساني، وعلى هذا الأساس فإنها تعد معوقة لتطور المجتمعات ورقيها ورفاهيتها.

فالجريمة إذا ظاهرة عالمية توجد في كل مجتمع ولكنها ظاهرة تتميز بالنسبية، بمعنى أن الأفعال المعرّفة كجرائم بقوانين العقوبات تختلف من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، وكذلك تختلف معدلات الجرائم من مجتمع لآخر وكذلك نوعيتها، ونتيجة لذلك تعددت وتوالت الإتجاهات والدراسات والتفسيرات العلمية في محاولة لفهم الظاهرة الإجرامية والسلوك الإجرامي، ومعرفة الأسباب والعوامل والدوافع المؤدية إليها، في محاولة لدرء أخطارها واستقراء سبل علاجها والوقاية منها ما أمكن.

هناك قاعدة اجتماعية توضح بأن التطور الحضاري والتقدم العلمي وحركة التصنيع وايقاع الحياة المدنية الحديثة، جميعها ساهمت في ازدياد عدد الجرائم وتنوع طرق تنفيذها بأساليب مبتكرة تتوافق والميول الإجرامية.

على الرغم من كل الجهود والمحاولات المبذولة في مكافحة الجريمة والوقاية منها سواء بتشديد الإجراءات الأمنية أو تشديد العقوبات والتوسع في إنشاء المؤسسات الإصلاحية، أو غير ذلك من الإجراءات الردعية، إلاّ أن معدلات الجريمة في عمومها لم تنخفض، بل إنها لم تقف عند حد معين، وإنما هي آخذة بالزيادة في معدلاتها لدى غالبية المجتمعات النامية منها والمتطورة، حتى أنها تزايدت في درجة خطورتها وتطور أنماطها وتعقد تنظيماتها، مما يهدد أمن الإنسان واستقرار المجتمع لأنها تتصل ببنائه وطبيعته، وهي جزء من وظائف المجتمع وكما أنها لا تقتصر على حدود مكانية بحد ذاتها، وإنما سيكون العالم أجمع مسرحا لها.

نتيجة لذلك ولوقاية المجتمعات من الجريمة والإنحراف، ظهرت توجهات عديدة لإيجاد أساليب وقائية ناجحة للسيطرة على الجريمة وعلى معدلاتها، وذلك بالتعامل معها قبل وقوعها بإعتماد مدخل الوقاية من الجريمة من خلال مراجعة وتقييم التدابير المجتمعية، والأساليب التقليدية في مواجهة الجريمة، وذلك بهدف الوصول إلى الطريق الذي يمكن من خلاله مكافحة ومنع الجريمة، وفي خضم هذه المعطيات باتت الحاجة إلى علم الجريمة أكثر الحاحا من أي وقت مضى، وذلك لتجنب الأخطاء التي ارتكبتها العديد من المجتمعات لتفادي أو على الأقل للحد من زيادة عدد الجرائم التي تصاحب تطور الحياة الحديثة، وذلك عبر تشخيص الأسباب الحقيقية التي تقف وراء إرتكاب الجرائم وإرتفاع معدلاتها، من خلال دراسة العلاقة بين العوامل الإجتماعية والبيئة الطبيعية من جهة والإندفاع نحو الجريمة من جهة أخرى، وبذلك فإن علم الجريمة هو العلم الذي يدرس المجرمين وضحاياهم بغية فهم أركان الجريمة ، المتعلقة بإتيان ركن مادي تمثل في الإقدام على فعل مخالف للقانون ويجرم عليه، وكذلك الركن المعنوي والمتمثل بفهم النية الجرمية لدى مرتكب الجريمة لمعرفة القصد الجنائي من وراء إرتكابها لتحقيق هدف ما بطريقة غير مشروعة، كما ويهدف علم الجريمة لدراسة رد فعل المجتمع على إتيان هذه الأفعال، وبذلك فهو العلم الذي يدرس ويبحث في السياسة الجنائية والسياسة العقابية لتقدير مدى فعاليتها في مكافحة ومنع الجرائم ومنع الإعتياد على الإجرام واتخاذه سلوكا. من هنا ظهرت أهمية اعتماد أسلوب الوقاية كأولوية، لأن الجريمة ظاهرة متنوعة العناصر والأهداف والظروف، إلاّ أن لكل جريمة أسبابها وظروفها الخاصة بها، كما أن لكل مجرم يرتكب ذات الجريمة دوافع خاصة وأسباب تتعلق به، مما يعني ضرورة تدخل المجتمع جماعات وأفراد، وهيئات ومؤسسات رسمية وأهلية، لإتخاذ تدابير وإجراءات وقائية قبل وقوع الإعتداء على الحقوق العامة والخاصة، سواء كانت الجرائم واقعة على الأشخاص أوعلى الأموال، لأن الجريمة والإنحراف من إفراز المجتمع نفسه، وبذلك يكون المجتمع معنيا بتحمل مسؤولياته في التصدي للجريمة قبل وقوعها، وذلك من خلال التعرف على الظروف والبيئة الإجتماعية التي أفرزت الفعل الجرمي والسلوك المنحرف، وبالتالي التعامل معها وفق آليات مدروسة، بهدف معالجة المدخلات التي شكلت أرضا خصبة ، لعبت دورا هاما في دفع الجاني لإرتكاب الجريمة، وذلك لوجود مجموعة من الظروف الإجتماعية غير الملائمة التي أحاطت بأفراد معينين ما أدى بهم لإرتكاب سلوكيات مخالفة للقانون، وهي بذلك تعبر عن سلوك مغاير للأعراف الإجتماعية المتعارف عليها في المجتمع، والتي هي عبارة عن ضوابط تقيد سلوك الفرد.

من خلال دراسة الظاهرة الإجرامية من منظور علم الوقاية من الجريمة بمفهومه العلمي الشامل، يتضح أن هناك اتجاهات مختلفة، تختلف باختلاف أصحابها في الإتجاه والتخصص العلمي والمجال المهني، ومن أشهر تلك الإتجاهات في الوقت الحالي، اتجاهان أساسيان هما: اتجاه الوقاية الموقفية من الجريمة، واتجاه الوقاية الإجتماعية من الجريمة.

يمكن تعريف الوقايةالموقفية من الجريمة بأنها العمل المستمر والمتجدد بكافة التدابير والإجراءات والأساليب العلمية والإجرائية والميدانية المبنية على التخصص والإحترافية للجهات الرسمية منها وغير الرسمية، الجماعية منها والفردية والتي تسهم بتضييق وتقليل الفرص والمواقف التي يستغلها المنحرفون لإرتكاب جرائمهم، وذلك بجعل الأهداف الإجرامية أصعب من مقدرة الجاني، وزيادة مخاطر هذه الأهداف، وتقليل مردودها النفعي، وذلك بهدف السيطرة على الجريمة، أو خفض معدلاتها، فهناك علاقة وثيقة بين معدلات الجرائم وبين البيئة التي تساهم بشكل أو بآخر على ارتكاب الجريمة، لذلك فإن أي سياسة فعالة لمنع الجريمة ينبغي أن تهدف إلى تغيير وتصميم البيئة على نحو معين لتقيل الفرص الدافعة للجريمة والأوضاع المغرية والمساعدة على ارتكابها، ذلك أن اختيار المجرمين لضحاياهم يتم وفقا لقواعد ومعايير معينة يمكن اكتشافها، حيث أن الكثير من المجرمين سواء كانوا من المتخصصين أو الهواة، يمتلكون القدرة على التفريق بشكل تام بين الأهداف الإحتمالية التي يمكن الإعتداء عليها، فهم يميلون إلى اختيار الأهداف السهلة بدلا من تلك الصعبة، وكذلك فإن الأهداف ذات الطابع المادي العالي تشكل محط جذب لهم بدل تلك التي تمثل ربحا أقل ماديا، كذلك فإن الأهداف السهلة المنال أفضل في نظرهم من تلك التي يصعب الوصول إليها، كما أن الأهداف التي تفتقر للحماية أفضل من تلك التي تتمتع بالحماية وهكذا.

وهنا يمكن القول أن نظريات منع الجريمة قد تطورت تطورا هاما وبالغا خلال العقدين الأخيرين، فبدلا من التركيز على النظرية التقليدية للردع، فإن الإتجاه الحديث يرمي إلى تغيير البيئة، وكذلك بدلا من محاولة تغيير الأشخاص، فإن المحاولات تهدف إلى تغيير الأوضاع برمتها، كذلك كان التركيز في الماضي ينصب على الجناة الفعليين أوالإحتماليين، إلا أن التركيز أصبح اليوم على سلوك المجني عليه والذي يدفع أو يساعد على ارتكاب الجريمة، وبذلك يمكن القول أن سياسة منع الجريمة قد تحولت من سياسة تعتمد اعتمادا كليا على المنع بواسطة قانون العقوبات عن طريق إيقاع الجزاءات، إلى سياسة تعتمد اعتمادا كبيرا على زيادة الإجراءات الأمنية واستخدام الأجهزة الإلكترونية الحديثة وغيرها من الأساليب التي تؤدي في الغالب إلى تقليل فرص ارتكاب السلوك المنحرف ، وذلك بتضييق وتحصين المنظومة المادية لزيادة صعوبة وصول الجاني لهدفه، وهو ما يعرف بتعطيل الفرصة، بوضع العراقيل في طريقه للحيلولة دون نجاحه في تنفيذ جريمته، وبذلك يكون قد تم إبطال شرطين من الشروط الواجب توفرها لحصول الفعل الجرمي وهما (الفرصة والمقدرة) وهذان الشرطان هما ما تعتمد عليه الوقاية الموقفية للوقاية من الجريمة.

أما بالنسبة للاتجاه الآخر والمتعلق بالوقاية الإجتماعية فيمكن تعريفها بأنها العمل المؤسسي الإحترافي بجميع الأساليب والتدابير المجتمعية الرسمية وغير الرسمية للوقاية من الجريمة قبل وقوعها من خلال معالجة الظروف والعوامل التي قد تؤدي إلى الإنحراف، مع تحييد وتقليل الدوافع المؤدية إلى بروز الشخصية الإجرامية، وذلك بالتدخل المبكر لمحاولة القضاء على العوامل المساعدة على ظهورها أو على الأقل تحييدها، وذلك بالعمل على بذل الجهود لتحقيق أكبر قدر من الرعاية الإجتماعية لجميع أفراد المجتمع وبخاصة الفئة المهددة بسلوك طريق الجريمة.

من المعروف اجتماعياً أن ظاهرة الجريمة وغيرها من الظواهر الإجتماعية لا تحدث فجأة، وإنما يكون تشكلها وظهورها وتكونها عبر مراحل وأطوار مختلفة، وبفعل عوامل عدة وشروطا وظروفا معينة، لتظهر على الواقع وتصبح حالة ملموسة، وكذلك فإن علاجها ومحاولة القضاء عليها أو التقليل منها لا بد وأن يمر بنفس الطرق والمراحل التي تكونت منها، بمعنى علاج وتقويم المراحل والشروط والظروف التي مرت بها وساعدت على تكوينها وظهورها، وهذا يعني أن السلوك الإنساني بكافة صوره وأشكاله، ليس إلاّ نتيجة لتلك العمليات الديناميكية المستمرة التي تجري بين طرفين هما، الفرد بكل ما لديه من خصائص تكوينية، أو قدرات عقلية ونفسية واجتماعية من ناحية، وبين ذلك الوسط أو البيئة بكل ما فيها من ظروف ومواقف وعناصر اجتماعية وثقافية من الناحية الأخرى، فالفرد وهو حصيلة مجتمعه ومن صنع ثقافته، فكل ما يملك الفرد من قدرات وخبرات وقيم واتجاهات ومعتقدات وأهداف وغايات ومعارف ومهارات، ليس إلا حصيلة تعايشه الجماعي، ونتيجة تفاعله الاجتماعي مع نفسه والآخرين والبيئة والوسط المحيط به بكافة أشكاله ونظمه.

أصبحت الوقاية من الجريمة بالمفهوم الحديث تفرض نفسها كأحد أسس ومنطلقات السياسة الجنائية المعاصرة في كل مجتمع بشكل خاص والمجتمع الدولي بشكل عام، واعتبارها مطلبا أساسيا لا يمكن الإستغناء عنه بأي حال من الأحوال في السيطرة والتحكم بالجريمة والإنحراف، وذلك لأن العقوبات الردعية وحدها غير كافية في التصدي للجريمة والوقاية منها، وهي أيضا لم تستطع وقف الزيادة في ارتفاع معدلات الجريمة، إضافة إلى عدم استطاعتها مواجهة الأشكال والأنماط الحديثة والخطيرة منها.