من حين لآخر يطل علينا بعض أصحاب الأجندات المشبوهة من عربنا، إن عبر بعض الشاشات الفضائية أو من خلال وسائل الإعلام الأخرى زاعمين أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم لليهود منذ العام 1947 حين أحسّوا بالرحيل القسري على يد العصابات الصهيونية.

هذا محض هُراء. ربما فعل هذا نفرٌ قليل لا يُعتد به. من هنا فالتعميم لا يجوز. سأروي مشهداً شاهدته بأم عيني لدى اندلاع الحرب عام 1948 العربية الإسرائيلية وكنت آنذاك في العاشرة من عمري. المشهد كان في مدينتي ومسقط رأسي بيت لحم المحتلة، يومها كان الذين يمتلكون «الراديو» قلّة، من هنا كان عدد غفير من اللاجئين يقصدون محلاً تجارياً اعتاد صاحبه عند الساعة الثانية بعد ظهر كل يوم أن يفتح راديو كبيراً كان يملكه على نشرة الأخبار لإذاعة «انباء القتال في فلسطين». بأم عيني كنت أرى من احتشدوا من اللاجئين لسماع الأخبار، معظمهم يتدلىّ على ثوبه مفتاح بيته التقليدي الكبير ظناً منه أن العودة إلى بيته وأرضه قريبة جداً! وحين تكرر حضورهم وفوجئوا بالأخبار غير السارة، كنت أسمعهم يتهامسون: «ضاعت البلاد!». وهذا بالطبع ما حصل.

أعود إلى ما أسمعه اليوم من أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم. هذه تهمة شنيعة مردودة على قائليها.

سأروي حكاية أخرى غير بعيدة العهد. رجل عجوز من قباطية اسمه الحاج عبد الرحمن نزال، داهم الجنود الإسرائيليون بيته يبحثون عن الفدائيين، ولما لم يجدوا فيه أي فدائي أجبروا هذا العجوز أن يخرج من بيته لأنهم يريدون نسفه بحجة أنه يُؤوي فدائيين. رفض الرجل أن يمتثل لكلامهم، فجرّوه وداسوا على عنقه ليترك البيت، لكنه أبى وقال لهم اقتلوني، ولكنني لن أتخلى عن بيتي وأرضي. بعدها بأيام توفي عبد الرحمن نزال قهراً!

وثمة أمثلة كثيرة تُساق شبيهة لهذه الحادثة، وكلها تدل على أن الفلسطيني الحر لا يبيع أرضه بكل مال الدنيا.

أختم بالقول: رِفقاً بالفلسطيني لا تحاولوا تجريده من وطنيته. هو اليوم في الأرض المحتلة بشموخه وعنفوانه يتصدى للعدو الصهيوني. إنه يكتب ملحمة اسطورية تُجسد معنى الوطنية الحقة.