جميل ما قاله الملك عبدالله الثاني في جامعة اليرموك حول الأيدولوجيا التي يؤمن بها جلالته عندما يكون القرار الحكومي متعلقاً بالصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية الأخرى، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يصرح فيها جلالته ويبدي إستعداده لدعم صيغ يسارية في مجالات محددة فقد أكد ذلك في عدة جلسات للحوار السياسي منذ عام 2012 عندما قال (انا يساري في التعليم والتأهيل والصحة والمرأة).

يتبنى الأردن منذ عدة عقود مبادئ اقتصاد السوق الحر (Free Market Economy) القائم على عدم تدخل الدولة في الأنشطة الاقتصاديه، أي أن على الدولة أن لا تقوم بأي نشاط اقتصادي يستطيع فرد أو مجموعة أفراد القيام به وهذا يشمل مؤسسات الخدمات ومن ضمنها الصحة والتعليم وبعض الأنشطة الخدمية وهنا جاءت تصريحات جلالة الملك الأخيرة في جامعة اليرموك انتصاراً لاقتصاد السوق الاجتماعي عندما قال «أنا يساري عندما يتعلق الأمر بالصحة والتعليم» وبهذا يرفض الملك الشكل الرأسمالي المطلق وتغول القطاع الخاص وخصوصاً في تقديم الخدمات الأجتماع?ة لمن لا يستطيع توفيرها لنفسه ولعائلته.

وهذا النهج الأكثر شيوعاً في أوروبا وخاصةً في ألمانيا والنمسا وبريطانيا التي تصدرت المشهد في التغطيات الأجتماعية للمواطنين والمقيمين، وقد تبنته أحزاب الديموقراطية الاشتراكية وأحزاب أخرى حول العالم ومنها الأردن حيث يعتمد حزب التحالف المدني حديث التشكيل مبدأ اقتصاد السوق الاجتماعي الذي خط معالمه الألمانيان ألفريد أرماك ولودفيغ إيرهارت اللذان أدخلا إلى مبادئ الاقتصاد الحر بعض اللمسات التي لا تجيز الاحتكار في تقديم الخدمات والأنشطة وتسمح بتحقيق أكبر قدر من الرخاء وتأمين المجتمع والعاملين صحياً واجتماعياً وتعليم?اً حيث تتدخل الدولة لتحقيق مصلحة الأقل انتفاعاً من الحرية الأقتصادية، كما في وضعنا الحالي في الأردن على هامش مجريات الأمور لتحفيز النشاط الاقتصادي ووضع سياسات اجتماعية تخص المواطنين والعاملين ومن ضمنها الحزم الاقتصادية والاجتماعية التي أعلنها رئيس الوزراء مؤخراً ومن ضمنها الحزمة التنفيذية الرابعة التي تشمل التغطية الصحية الشاملة للمواطنين والمقيمين.

وهنا أستطيع أن أقرأ ما في يسارية الملك من محاولة للجمع بين الحرية التي يجسدها اقتصاد السوق الحر والالتزام بمبدأ العدالة الاجتماعية لتحقيق الرخاء في المجتمع الأردني وهذا ما أطلق عليه في الاقتصاد السياسي مصطلح ليبيرالية العدالة الاجتماعية الذي يتطلب تحقيقها قيام الدولة بواجب توفير فرص العمل والرعاية الصحية والتعليمية وهي من الحقوق المدنية للأفراد وهذا أيضاً يعتبر تطوراً جديداً في مفهوم أيديولوجيا الاشتراكية سماه البعض التقدمية الاشتراكية مقابل الاشتراكية المحافظة، والبعض الآخر سماه اللبيرالية اليسارية التي ت?ع في وسط الطيف السياسي.

نحيي جلالة الملك في أبعاد يساريته والتي على الحكومة أن تلتقطها وتتفهم أبعادها وتجسدها في سياسات قابلة للتطبيق والديمومة وهذا من شأنه المساهمة الفاعلة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي نأمل تحقيقها لصالح رفاه مجتمعنا الأردني. فهل تلتقط الحكومة هذه الرسائل وتأخذ على عاتقها وضعها موضع التنفيذ؟.. نأمل ذلك.