تثير التفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها عدد من الدول في الوطن العربي والإقليم جملة من التساؤلات والاختلاف في وجهات النظر حول تحديد المصطلحات والمفاهيم السياسية والاقتصادية المستخدمة والتي يجري تداولها على نطاق واسع على المواقع الالكترونية والتواصل الاجتماعي وفي الاعلام بصورة عامة.

هذه المصطلحات والمفاهيم المستقرة في الغرب لم تصل عندنا إلى هذا المستوى من التحديد العلمي الذي يضع الخلاف حولها في إطاره الموضوعي المقبول.

ومن هذه المفاهيم: الفساد والديموقراطية والحرية والعدالة وحقوق الإنسان والحريات العامة والطائفية، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، والثورة والمقاومة والإرهاب والحكومة السياسية والمستقلة والاستقلال السياسي والاقتصادي والحراك الشعبي.. ان هذا الجدل الذي يتصاعد في لبنان والعراق واليمن، ويمتد إلى إيران ودول أخرى، حول حدود هذه المفاهيم او بعضها، يستدعي من الباحثين والمحللين جهداً أكبر للتوضيح والتحديد، ويتطلب المراجعة، ليس من أجل البحث العلمي المحض، ولكن لإيجاد الحلول المناسبة التي تحتاجها الحركة الشعبية أو الحكومات أو القوى السياسية للتعامل مع الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والبحث عن حلول للأزمات المختلفة، ومن أجل «فك الإشتباك» بين مختلف أطراف العملية السياسية والاجتماعية التي تواجهها الدول والشعوب.

طبعا من غير المنطقي ان نحمل مسألة المفاهيم والمصطلحات، مسؤولية ما يجري، لكن الأمر يتصل بقدرة هذه الجهات على التعامل مع الواقع انطلاقاً من مفاهيم ومصطلحات يراد لها أن تكون «غيرواضحة» بل مُلتَبِسة، مما يصعب الحلول أو يعيق حركتها، ويضع البلاد في عنق الزجاجة، فتستغل بعض القوى هذا الغموض المفتعل في المفهوم السياسي والاقتصادي من أجل المماطلة وتعقيد الأزمة التي يسعى الطرفان الى حلها بالسبل الدبلوماسية وبمنأى عن القوة المسلحة أوالعنف.

ليس الجدال حول أهمية هذه المفاهيم والمصطلحات لكنه فيما إذا كان المفهوم ينطبق على النموذج الموجود في الواقع، أو على ما يراد له أن يمثله في الواقع.

والمثل الأقرب من لبنان، حيث تتجاهل الأطراف والقوى السياسية التقليدية مفهوم «الإستقلالية» الحقيقي في مطالب الشعب اللبناني الذي ينزل الى الساحات والطرقات منذ اكثر من شهرين وما يزال يسعى إلى تشكيل حكومة مستقلة من تكنوقراط «غيرسياسي» لإيجاد الحلول المناسبة للوضع الراهن في لبنان بعيداً عن كل القوى السياسية والطائفية التي تستاثر بالسلطة.

والنوذج الثاني هو في ما يراد له أن يكون» أزمة دبلوماسية» بين الكويت وايران جراء استضافة الكويت جماعة «احوازية» معارضة للنظام الإيراني، حيث تراها طهران «تدخلاً في شؤونها الداخلية» بينما تعمل طهران على «تصديرالثورة» والتحكم في شؤون العراق واليمن ولبنان، والهيمنة على الخليج العربي، دون ان ترى في ذلك «تدخلاً في شؤونها الداخلية»!

فهل من موقف محدد للجهات ذات الصلة، في المجتمع الدولي؟ أم أن النزاع مقصود لذاته، وأن خلط المفاهيم وسيلة من وسائل ادامة النزاعات والصراعات!

mna348@gmail.com