قصدت بلدة أم قيس لأول مرة في العام 1961 مع اقراني من طلبة الصف الثانوي الثاني، وفي مستهل العطلة الصيفية، وفي سيارة عسكرية للالتحاق بمعسكر الحسين للعمل والجندية الذي اقيم هناك، وكان واحدا من المعسكرات المشابهة التي انتشرت في انحاء مختلفة من المملكة، والتي اقامتها حكومة المرحوم وصفي التل الأولى، ولتكون مكملة للجهد التربوي التعلمي في المدارس الأردنية، والتي اختتمت باستعراض المشاركين الذين وفدوا من الضفتين الشقيقتين بدءا من المدرج الروماني وانتهى بما يعرف اليوم بمجمع العبدلي، أمام الملك الراحل الحسين ابن طلال.

ظللت انظر الى ام قيس نظرة خاصة، تلك القرية التي اصبحت بلدة ضمن لواء بني كنانة التابع لمحافظة إربد شمال المملكة، على بعد 28 كم شمال إربد وعلى ارتفاع 364 م وتطل على نهر اليرموك وهضبة الجولان وبحيرة طبريا، وقد كان لموقعها ووفرة مياها نقطة جذب سكاني، وكانت تسمىً «جدارا» وتعني «المدينة المحصنة»، وهي إحدى المدن اليونانية- الرومانية العشر.كانت المقر الصيفي لملوك بني امية الذين اتخذوا من دمشق عاصمة لهم، وقد اجتذبت الكتاب والفنانين والفلاسفة والشعراء في عصر اليونانين مثل: شاعر الهجاء مينيبوس والشاعر الساخر ميلاغروس والخطيب الفصيح ثيودوروس.

احتلها القائد الروماني مومباي وضمها إلى حلف الديكابولس الذي كان يضم عشر مدن عند ملتقى حدود الأردن وسوريا وفلسطين، منها: «جرش» أميلا أو طبقة فحل في وادي الأردن، ومدينة «أم الجمال» شمالي شرق الأردن. ووصلت «أم قيس» قمة ازدهارها في القرن الثاني بعد الميلاد وانتشرت الشوارع المبلطة والهياكل والمسارح والحمامات فيها. وقد شبه ميلاغروس مدينة جدارا بأثينا، وفي سنة 635 حررتها الجيوش الإسلامية من سيطرة الرومان بقيادة شرحبيل بن حسنة زمن الخليفة عمر ابن الخطاب. وعندما تدخل مدينة «أم قيس» الأثرية تواجهك عبارة منقوشة على حجر الشاهد الذي كان منصوبا على قبر الشــاعر الكبير القديــم «أرابيوس» يخاطب فيها الضيوف قائلا «أيّهـَا المـَارُّ مِن هـُنا، كمَا أنت الآنَ، كنت أنا، وكمـَا أنا الآن سـَـتكون أنت، فتمتـّع بالحياةِ لأنكَ فان ».

تتميز أم قيس بآثارها المحافظة حتى اليوم على شكلها الأساسي، وقد بدأت دائرة الآثار الأردنية أعمال الحفر والترميم في أم قيس منذ عام 1930 م، وكان النبع الرئيسي الذي كان يمد أم قيس هو عين التراب إلى الشرق من أم قيس بحوالي 12 كم، وامتداد النفق بطول 23 كم تحت الأرض. وتمتد الأنفاق من عين التراب لتصل إلى أودية أبدر، التي يوجد فيها عدة عيون. بينما تمتاز الخزانات المائية هناك أن بعضها قطع في الصخر والبعض الآخر بني من حجارة بازلتية مشذبة، وقد جاء في الكتاب المقدس أنها البقعة التي طرد فيها يسوع المسيح الأرواح الشريرة من مجنونين، وخرجت الأرواح الشريرة من المجنونين ودخلت في قطيع من الخنازير (إنجيل القديس متى 28:8–34).يوجد داخل أم قيس متحف للآثار، يعرض التماثيل والفسيفساء والعملات المعدنية، وفيها استراحة مطلة على بحيرة طبريا.

ان بلدة بهذا التاريخ وهذه الجغرافيا، وموقعا بهذه القيمة والجمال والجاذبية، يستحق منا الاهتمام والاطلاع والزيارة، ويحتاج الى تسليط الضوء عليه، وتشجيع السياحة العالمية والمحلية اليه، واعلاء المردود الاقتصادي والثقافي منه، بالجهود الرسمية والأهلية معا.

dfaisal77@hotmail.com