لقد مضى أربعون عاماً على توقيع وزراء الصحة والمنظمات الدولية حول العالم الأعلان العالمي للرعاية الصحية الأولية (PHC) في مدينة ألما أتا في جمهورية كازاخستان عام 1978والذي لا يزال علامة فارقة في تاريخ الصحة على المستوى الدولي لأنه أسس لإلتزام عام لمجموعة الدول الموقعة عليه ومن بينها الأردن على توفير الخدمات الصحية للجميع بمستوى جيد وتمكين المواطنين من الوصول اليها دون معاناة جسدية ومادية بحلول عام 2000. ومنذ ذلك الوقت والدول تسعى جاهدة بالتعاون والتنسيق مع منظمة الصحة العالمية والمنظمات ذات العلاقة بالصحة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) التي تؤكد على الصحة والرفاه للجميع من مختلف الأعمار بحلول عام 2030.

تحسن الوضع الصحي على المستوى العالمي بشكل ملحوظ حتى أن توقع الحياة سجل إرتفاعاً وصل إلى عشر سنوات عن ما كان عليه عام 1978 ووفيات الأطفال تحت سن الخامسة انخفضت بواقع الثلثين إلا أن التحول النمطي للأمراض أصبح مختلفاً عما كان عليه قبل أربعين عاماً بسبب التحولات الديموغرافية والوبائية وحلول الأمراض المزمنة وإصابات الحوادث مكان الامراض السارية والألتهابات الحادة كمسببات رئيسية للأمراض والوفيات مما استدعى تغييراً في نهج تقديم الخدمات الصحية وأنواعها التي تحتاجها المجتمعات.

في تشرن أول من عام 2018 عقد قادة العالم ومعهم المنظمات الدولية المعنية بالصحة مؤتمراً في مدينة أستانا في كازاخستان للإحتفال بذكرى مرور أربعين عاماً على إعلان الألما أتا وأصدروا إعلاناً عالمياً جديداً أسموه إعلان أستانا للرعاية الصحية الأولية بعد دراسات واستشارات ومفاوضات ما بين خبراء ومستشارين في مجال الصحة ومنظمات المجتمع المدني والدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية والذي من خلاله دعوا حكومات الدول الأعضاء لتجديد إلتزامهم السياسي وإعطاء الأولوية للرعاية الصحية الأولية بالمفهوم الواسع للصحة والذي يشمل قطاعات خارج قطاع الصحة مثل المياه والغذاء والدواء والبيئة والسكان والاقتصاد بالشراكة بين القطاع العام والخاص وبمشاركة فاعلة من المجتمعات المحلية كشركاء في تحقيق التنمية المستدامة. ورغم ذلك فان أنظمة الرعاية الصحية لا تزال ضعيفة في العديد من الدول ومن بينها الأردن من حيث مستوى الخدمات المقدمة وتوزيعها بعدالة على السكان وتنوعها وكفاية وكفاءة العاملين في مؤسساتها، إضافة إلى ضعف الإدارات المتعاقبة على التخطيط ووضع السياسات والإشراف الفعال على فعاليات هذا المستوى المهم من مستويات الرعاية الصحية. وهنا أتساءل لماذا عاد التركيز منذ سنوات قليلة على أسلوب الرعاية الصحية الأولية كما جاء في تبريرات خبراء منظمة الصحة العالمية وحسب قراءتي للمشهد الصحي:

• إن معالم وأسلوب تقديم الرعاية الصحية الأولية تسمح للنظام الصحي بأن يتكيف ويستجيب للمتغيرات والتطورات المتسارعة في العالم.

• إن فلسفة الرعاية الصحية الأولية تقوم على التوعية والوقاية والعلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية خلال دورة الحياة والتعامل مع المحددات والعوامل التي تؤثر على الصحة من خارج قطاع الصحة وتلبية حاجات المجتمع ومشاركته الفاعلة.

• لقد أثبت نهج الرعاية الصحية الأولية أنه الأكثر فعاليةً وكفاءةً للتعامل مع المشاكل الصحية في المجتمع وعوامل الخطر وجذور المرض والتحديات الطارئة التي تهدد الصحة في المستقبل.

• إن التغطية الصحية الشاملة ((UHC التي يطالب بها المجتمع الدولي والتي تعتبر أساسية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال نظام صحي قائم على منظومة رعاية صحية أولية قوية تعمل كبوابة للنظام الصحي (Good Gate Keeper).

• إن المفهوم الجديد للرعاية الصحية الأولية أزال التشويش واللبس حول المفهوم القديم الذي تم تداوله بعد عام 1978 والذي اعتبر أن هذا النهج لا يصلح إلا للدول الفقيرة كونه الأقل كلفة حيث أثبتت تجارب بعض الدول الغنية مثل اليابان والبرازيل والصين نجاح هذا النهج في تقديم الحلول العاجلة للمشاكل الصحية الطارئة والمتكررة في تلك المجتمعات.

وأختم بالقول ان خبرات كثير من الدول حول العالم وتوصيات العديد من المؤتمرات العالمية والندوات المحلية والأقليمية قد وصلت إلى قناعة مبنية على نتائج ملموسة (evidence based) بأن التغطية الصحية الشاملة التي يتحدث عنها الجميع هذه الأيام بحاجة إلى إطار عام من خلاله يمكن تنظيم وتوزيع الخدمات الصحية التي تتناسب مع احتياجات السكان، وإن منظومة الرعاية الصحية الأولية قادرة على أن تكون بإمتياز هذا الأطار وأن يبنى عليها العمود الفقري لنظام صحي ذي فعالية يستطيع تحسين الوضع الصحي للسكان بتكلفة أقل وبتوزيع عادل للموارد المالية المتاحة للصحة، وهذا ما نراه مناسباً لنظامنا الصحي في الأردن بدلاً من النظام الصحي الحالي القائم على المستشفيات (Hospital Based System) الذي لا يمكن استدامته على المدى البعيد ولا حتى المتوسط.