يبدو أن كافة الإجراءات التي تحدثت عنها الحكومة، وما سبقها من حكومات حول الإصلاح الإداري قد فقدت بريقها قبل أن تبدأ. وأن العملية ككل أصبحت عاجزة عن تحقيق المساواة بين موظفي الدولة، كما أنها عاجزة عن إدارة المال العام بصورة تتناسب مع متطلبات الحالة.

فلا عملية الدمج والإلغاء للمؤسسات والهيئات القائمة بحسب أنظمة خاصة، ولا نظام الخدمة المدنية الجديد من شأنهما أن يحققا حلم المساواة المنشود.

السبب في ذلك أن العملية بكل تفاصيلها محكومة بمبدأ «الحقوق المكتسبة»، والذي يترجمه العامة بأنه مطابق للمثل القائل«اللي قبّع قبّع.. واللي ربّع ربّع».

وبصورة أخرى فإن ما حصل عليه البعض من امتيازات سيبقى قائما، بغض النظر عن القناعة بأن الكثير من الهيئات المستقلة تم تفصيلها ووضع أنظمتها وتحديد امتيازاتها طبقا لاعتبارات فئوية، تحت عناوين عامة.

لا اعتراض على المبدأ القانوني الذي يتحدث عن حقوق مكتسبة يتوجب الحفاظ عليها، ولكن هناك مبدأ آخر ينص على«ما بني على باطل فهو باطل»... فأين هذه الفرضية من الإجراءات التي تسير عليها الحكومة في التأسيس لإصلاح إداري يعالج الكثير من الثغرات التي أوصلت الملفين الإداري والمالي للدولة إلى هذا المستوى. وإلى تلك المفارقات.

فنحن نتحدث عن هيئات تدفع رواتب مرتفعة جدا لموظفين عاديين، وقد تصل أحيانا إلى آلاف الدنانير لأشخاص يتقاضى نظراؤهم في الوزارات أقل من خمسمئة دينار.

ونتحدث عن بطالة تتخطى 19 بالمئة وعن أشخاص يرفعون صوتهم بكاء بسبب شبح البطالة وعدم توفر ما يسد رمقهم.

بالطبع هناك أمثلة كثيرة يمكن الاستشهاد بها على صعوبة الأوضاع، وضرورة معالجة الخلل من جذوره، إلا أن قاعدة «الحقوق المكتسبة» تبقى هي محور هذه العجالة، في ضوء التأكيدات الحكومية بأن إلغاء المؤسسات والهيئات لن يؤثر على أوضاع العاملين فيها. وأن رواتبهم وامتيازاتهم ستبقى كما هي، كما أن نظام الخدمة المدنية الجديد لن يؤثر على تلك الامتيازات.

بالطبع، لا أحد يرغب بأن يتم فصل أحد من العاملين في الجهاز الحكومي، سواء أكان في هيئة مستقلة خاضعة للدمج أو الإلغاء، أو في مكان آخر، لكن هناك قناعة بإمكانية التوصل إلى حل يسهم في التخفيف من الإشكالية الكبرى التي يعاني منها الوطن بشكل عام، وذلك من خلال تخيير هؤلاء الموظفين بين الاستقالة أو القبول بالرواتب والامتيازات التي تمنح لنظرائهم في الوزارات والدوائر الحكومية. الأمر الذي يحقق المساواة من جهة، والوفر في النفقات من جهة أخرى.

فكما أن بعض الدول الغنية رأت أن من حقها تخفيض الرواتب العليا من أجل مواجهة ظرف طارئ، أعتقد أنه من حق حكومتنا أن تلجأ إلى هذا الخيار، خاصة وأنها تعترف بأن بعض الرواتب مرتفعة جدا ولا تتناسب مع واقعنا المالي والمعيشي.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com