كتب - ناصر الشريدة

هل باتت البلد صغيرة على النحل، بحرقة واسف يتكلم عدد من النحالين الاردنيين بعد ان لقيت الكثير من خلايا النحل في الارياف الاردنية حتفها، بفعل باعة حلويات ومواطنين عابثين يستخدمون مواد تنظيف كيماوية ووسائل صيد كهربائية للنيل منها، لعذر اقبح من ذنب انها تؤذيهم بلسعاتها !

وتشكل حيازات خلايا النحل في لواء الكورة نصف الحيازات على مستوى محافظة اربد وخمسها على مستوى الاردن، بسبب الغطاء النباتي والشجري وغزارة ربيع المنطقة، حيث بلغت العام الماضي نحو تسعة الاف خلية موزعة على نحو (26) حيازة مسجلة رسميا، فضلا عن حيازات صغيرة في اطار التربية المنزلية.

وتشير ارقام احصائية رسمية، الى تراجع عدد خلايا النحل في لواء الكورة بنحو الف خلية عن العام الماضي، بحيث بلغت (8050) خلية موزعة على (26) مزارعا، والسبب حسب نحالين التغول على مملكة النحل التي فقدت جميع افرادها في ظروف غامضة.

وفي اطراف البلدات الريفية والمناطق الشفاغورية والاغوار، تكثر مزارع النحل والتربية المنزلية لخلايا النحل، التي تتنقل بين نحو (2500) نوع زهرة وجداول مياه وسط اجواء فرح وسعادة تحف بها اصوات عذبة.

وتحرص الاسرة الواحدة في الريف الاردني على امتلاك خلية واحدة على الاقل تسد حاجتها من العسل سنويا وتوفر عليها مئات الدنانير، سيما ان العام الواحد يتم فيه قطف العسل مرتين بواقع (5 – 20) كيلوغرام من كل خلية / قطفة، حسب ما تجود به السماء من المطر والارض من فسيفساء الزهور البرية والشجر المثمر من الزهر الملون باطياف قوس قزح.

وتشير نتائج التعداد الزراعي لعام (2017)، إلى أن محافظة إربد سجلت أعلى عدد حيازات النحل، حيث بلغت (587) حيازة بنسبة (56.1%) من إجمالي الحيازات في الأردن، كما حازت المحافظة على المرتبة الأولى بتوزيع خلايا النحل بنسبة (44.2%) بعدد (22963) خلية.

ويتساءل مزارعون اغضبهم فعل العابثين وقتلة النحل، الهذا الحد يهون عليكم قتل خلايا النحل التي لا ذنب لها الانها امتصت رحيق زهرة ولامست قطرة سكر من عندكم، يا لها من خسارة غذائية ومادية علينا وعليكم، فأيام زمان كانت خلايا النحل تتخذ من الكهوف والبيوت العتيقة مسكنا لها وكم كان الناس فرحين بها.

ويقول المواطن حازم الرشدان، ان اهمية تربية خلايا النحل في منازلنا الريفية امر لافت وجميل، لما له من فوائد علاجية وغذائية وبيئية، وزيادة على ذلك الحفاظ على التنوع الحيوي للنباتات البرية، حتى انك لا تشعر بالارتياح بدون وجود خلية نحل بمنزلك، انها سعادة حين ترى مملكة النحل تتخذ من مسكنها عالم مكنون تسبح الله بحركات ومشاهد تضخ فيك روحانية واييمانية بالتوحيد لرب العالمين.

ويحرم المزارع عبدالحميد محمد قتل النحل ولا بأي ذنب، ويصفه برسل المحبة، لان النحل لا يعرف لغة الحدود بين البلدات والدول، وهنا يكبر الوطن حين يأتيك بغذاءِ مذاقه رحيق زهرة ووردة نبتت هنا وهناك، مشكلة بداخلك وطنا مفهومه بلاد العرب اوطاني، علاوة على ضخ ثروة وطنية تنعش حياة الاف الاسر.

ويبلغ انتاج الاردن من العسل سنويا نحو (186) طنا، يباع بمبلغ (2,3) مليون دينار، وتستفيد منه نحو (1800) عائلة من ذوي الدخل المحدود في تغطية نفقاتها اليومية، اضافة الى وجود مزارعين كبار يقومون باعادة تعبئة العسل وتوريده الى المؤسسات الاستهلاكية والمولات باسعار ممتازة.

ويقول مربي خلايا النحل في بلدة تبنة مالك بني عيسى، انه يفقد بالموسم الواحد عشرات من خلايا النحل التي راحت ضحية مكافحة محال الحلويات لها بالمنظفات الكيماوية او وسائل الاصطياد الكهربائية، بعد ان وجدت من بقايا السكر والحلويات التي تفترش الارض غذاء سهلا لها بدل ان تشق طريقها نحو الغابات والسهول البعيدة.

ويشير بني عيسى، الى ان المشكلة تتفاقم، حيث تقدمنا بشكاوى الى الجهات الصحية من اجل الضغط على اصحاب محال الحلويات تنظيف ارضيات محلاتهم من الداخل والخارج لمنع النحل من الاقتراب، الا ان كشوفات الصحة لم تسفر عن حل جذري، ولا نعرف ما العمل.

وحسب عدد من النحالين البالغ عددهم نحو ثلاثة الاف نحال، ان نحل الاردن كان يسافر كل يوم ويقطع نحو خمسة كيلومترات من اجل الغذاء، فتارة يتنقل على جانبي نهر الاردن وتارة بين البلدات واخرى بين السهول والغابات ومجرى مياه الينابيع والعيون، حاملا رسالة المحبة والسلام بسكينة وهدوء دون ان يؤذي بشرا، وبالمقابل لا يتعرض للموت، وفوق ذلك يعطيك عسلا شهدا طيبا وشفاء ابديا.

ويعُد الدكتور احسان السلايمة فوائد عسل النحل التي لا تحصى لكثرتها ومنها تعويض السكريات المستهلكة بالجسم اثر العمل الجسماني والتفكير الذهني، فضلا عن كونها مادة علاجية ووقائية وغذائية عالية القيمة للأطفال والكبار على حد السواء.

ويقول نحالون، ان العمل بتربية خلايا النحل له ميزة عالية لا توصف، وان العمل بوسائل قطفه وتحويله في عبوات ذات احجام مختلفة تبعث في النفس راحة، وان التجارة فيه رابحة غير خاسرة رغم ارتفاع كلف تربيته، لا سيما عمليات ترحيله من منطقة لاخرى حسب طبيعة كل فصل، ومع ذلك يباع الكيلوغرام الاصلي بنحو عشرين ديناراً.

ويُعبر الدكتور احمد الدومي عن حاله بتربية خلايا النحل، يأسُرني لون ورائحة وطعم عسل بلادي، لان النحلات يأتين برحيق الزهور من كل الاتجاهات ومن وراء الحدود ويحملن فسيفساء بلاد العرب اوطاني، فيغازلن احبة وقفت الجغرافيا بطريقهم ولم نعد نراهم الا بموافقة الاخرين » بالتأشيرة »، ويعانقن احبة سكنوا الفؤاد بالقرب منا وزادهم الكيل الفة ومحبة وقوة.

واخيرا القصة هنا، ليست بحكاية عسل تبنة بنكهة زهر عنبة ومميزاته وشهرته، وليس بصدد سرد تاريخ بلدة الزيادنة ذات الامتداد الجغرافي مع فلسطين وعكا الاسيرة والحبيبة، بل لنقول ما ذنب نحلات تبنة كغيرهن من نحلات بلادي يمتن من اجل الهبوط على محلات الحلويات لنهم السكر، بعد ان غاب الربيع وحل الصيف والخريف.