«خصال يُسر بها الجاهل، منها أن يفخر من العلم والمروءة مما ليس عنده» ابن المقفع.

الدكتور همام غصيب عالم فيزيائي كبير، إضافة إلى علمه الفيزيائي الغزير، فهو عاشق للغة العربية متعمق في بحورها. ومع ذلك فهو «المتواضع» إذا ما راح يُقيّم نفسه.

في حوار أجراه معه ذات مرة كاتب هذه السطور سمعت منه مفردات تدل على هذا التواضع. يقول: «الرضا عن النفس يُعادل الانطفاء». يشعر هذا العالم رغم الجوائز التقديرية التي نالها أنه لم يُعط بعد كل ما يريد.

ينتقد هذا العالم والأديب ما أسماه بِـ «أُمية الحرف» التي نعاني منها كعرب على نطاق واسع. «دعك من أمية الرقم وآفات أخرى تشوه ثقافتنا ومثقفينا. أُضيف إلى ذلك غياب النظرة النقدية الواعية».

«الرضا عن النفس يعادل الانطفاء».

ليت هذه الكلمات يتمثّلها بعض مثقفينا من يستهويهم «الإطراء» والمديح المجاني الذي يُجامل ولا ينقد، فيخرجهم عن فضيلة «الوقار» ليوقعهم في «الغرور»!

أما «أُمية الحرف» التي أشار اليها د. غصيب فهي متفشيّة عربياً. وكما قيل «فالعلم القليل خطر على صاحبه». «العلم القليل» يُزيّن لصاحبه أنه بات يمتلك «المعرفة» بمنظومتها الواسعة، وما درى أنه لم يمتلك منها إلا القليل!

إن «أُمية الحرف» تجعل بعض الأدعياء من «المثقفين» الذين يمتلكهم «الغرور» إلى الظن بأنهم امتلكوا حظاً كبيراً من «الثقافة» علماً بأنهم في الحقيقة لم يمتلكوا شروطها!

مأ اجدر أمثال هؤلاء الذين عناهم هذا العالم والمفكر أن يتحرروا من آفة «الوهم» و«الخيلاء» فيتواضعوا ولا يعطوا أنفسهم منزلة فوق ما تستحق.

إن «معرفة النفس» هي السُّلم نحو العظمة الحقيقية. هي التي تعلمنا كيف نسلك في الحياة. كيف نتواضع إذا ما تحدثنا عن نفسنا وعن إنجازاتنا دون غرور أو خيلاء.

حين قال سقراط ذات مرة «اعرف نفسك» كان يشير إلى ضرورة «التواضع». وصدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حين قال «لا يزال الرجل عالماً ما طلب العلم، فإن ظن بأنه قد علم فقد جهل».

تُرى، متى تغادر الكثيرين منا «أمية الحرف»؟ متى ندرك «أن الرضا عن النفس يعادل الانطفاء». كما يشير د. همام غصيب. متى يفارقنا «الغرور» الذي يُميت «الفضائل» وكيرس «امية الحرف». «الطموح» هو الذي يحقق الأحلام العراض، فلنسع إليه ما امتدت بنا الحياة.

«أمية الحرف» هي المسؤولة عن تخلفنا الاجتماعي ووعينا غير المتحضر.

أختم بهذه العبارة للناقد الكبير الراحل محمود العالم وردت في دراسة له بعنوان «حول مفهوم الهوية»، «إن التغيير الحقيقي المطلوب عربياً هو الذي يمسّ جذور الأبنية العميقة الأساسية لمجتمعاتنا العربية»، «أميتنا الأبجدية» لا تزال شائعة بين أغلبية سكاننا فضلاً عن التدني الثقافي السائد».

تُرى، متى نتحرر من «أمية الحرف»، فهي المسؤولة عن تخلفنا. متى نغادرها إلى نور «الحداثة»؟ متى نثور على هذا «التدني الثقافي السائد عربياً».