بما أن الحكومة تتحضر لتعديل قانون اللامركزية والدفع به نحو التشريع، أقدم هذه الأفكار عسى أن تكون ذات فائدة:

«1»

إن جوهر الحديث عن اللامركزية، لا بد بالضرورة أن يتناول إعادة بناء الهيكل الإداري للدولة، بحيث يتم تفكيك ما هو قائم وإعادة تركيبه، وفق أسس وأساليب ومضامين، تؤدي الى إدارة عامة.أكثر رشاقة وقدرة على تحقيق أهداف الدولة الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير بالنفقات المالية وتعظيم الإنجاز وبزمن قياسي، يجعل من منظومة التطوير والتنمية والخدمات أكثر جدوى، وقدرة على خدمة المواطنين، وبالتالي التأسيس الى متلازمة حقيقية، ما بين الشعار وتطبيقه على أرض الواقع وفق جدولة زمنية محددة.

إن اللامركزية منظومة إدارية متكاملة، تبدأ في نقطة إصلاحية ما للإدارة، ولا تنتهي عند نقطة أخرى، فاللامركزية عملية مستمرة تبدأ من العناوين الكبرى وتستمر حتى تلامس أدق التفاصيل في جسم الدولة الاقتصادي والاجتماعي والتشريعي، وهذا مستمد من منظور تطبيقات اللامركزية في دول احدثت اللامركزية بها تبديلاً نوعياً إيجابياً ببناها الإدارية.

ان الحالة الراهنة للإدارة الأردنية انما تعاني من بيروقراطية شديدة ومتعاظمة، كان لها أثر سلبي وحضور ثقيل على اغلب الوزارات والمؤسسات والدوائر، الأمر الذي أوقعنا في الـ 30 سنة الأخيرة، بحالة من ازدواجية العمل وتضارب الأهداف والغايات، وتعدد الجهات التي تقوم بالعمل ذاته. فضاع بموجب هذا الوضع المبطئ للعمل، قرارنا التنموي والخدمي بين ادراج هذه التعددية الادارية غير الحميدة، وكانت الخسارة الكبرى تلك التي وقعت على الحال التنموية والخدمية في المحافظات، فكان أن اصبحت حاجتنا ملحة وضرورية الى جهد اداري متميز، يبدأ بالتأكيد على اللامركزية لنرسم خطوطا واضحة ومحددة للعلاقة بين المركز والاطراف والصلاحيات المناطة بهيئات الدولة على اختلافها.

علماً بأن الوضع الراهن يشي إلى أن عمان العاصمة قد تركز بها القرار الى حد أن أصغر الإجراءات وابسط المعاملات، أصبحت تحتاج أن يأتي المواطن إلى عمان، او أن تقوم دوائر الدولة في المحافظات على اختلافها بتحويل أغلب المسائل ومهما صغرت أو قلت أهميتها إلى مركز تلك الدوائر في عمان!

«2» قصة اللامركزية.. أردنياً:

لقد أصبح تطبيق اللامركزية ضرورة لا يجوز أن تتأخر. وبالتالي فإن الدولة الأردنية وإن كانت بالسابق قد أشرت على أهمية هذا الأمر، وبالذات من قبل المرحومين وصفي التل وعبد الحميد شرف «رحمهما الله » فإن محاولة واحدة يتيمة تعاملت مع مفهوم اللامركزية أبان حكومة الدكتور عبد السلام المجالي، عندما قسم موازنة الدولة للعام (93/94) إلى موازنة للمحافظات، ولما تغيرت الحكومة تم إلغاء هذا التوجه ولم يتكرر بل ولم يجري تطويره، إلى أن تسلمت موقعي كوزير للداخلية في حكومتي علي أبو الراغب وفيصل الفايز، حيث بدأنا بعد زيارة لجلالة الملك عبدالله الثاني إلى وزارة الداخلية، وبعد استعراض فكرة اللامركزية في تلك الزيارة، بوضع أول مسودة لمشروع قانون للامركزية، بإلانطلاق من الإحتياجات الفعلية للدوله الأردنية بأيدي خبرات وطنية والاستفادة من تجارب الغير. حيث تم ترتيب العديد من الزيارات لحكام إداريين لدول نجحت بتطبيق نهج اللامركزية مثل «النمسا، ألمانيا، مصر، فرنسا» والتي وجدنا استجابة من هذه الدول ودعما الى توجهات الأردن في تطوير إدارته، حتى أن فرنسا وعدت بتقديمً هدية للدولة الاردنية بإنشاء معهد إقليمي للامركزية، لتدريس وتأهيل الكوادر والاطارات البشرية المختصة ليس على مستوى الاردن، بل وليخدم دول الإقليم المهتمة بتطبيق هذا النموذج من الادارة الحديثة.إلا أن التبدلات السريعة في الحكومات لدينا وقوى كثيرة في دولة لم يرق لها السير في هذا الإتجاه. قد أدت إلى حرف توجه الدولة نحو تطبيق اللامركزية في إطار المحافظات بإعتبارها الوحدة الإدارية التي تميز البناء الإداري الراسخ للدولة وذات كينونة اقتصادية منسجمة، ونسيج اجتماعي موحد، وأستبدالها بفكرة الإقاليم.حيث شُكلت لجنة لهذه الغاية، لم تجد نتائج عملها القبول لعدم عمليته واستحالة تطبيقه، فكان أن وجه جلالة الملك عبدالله/الثاني بالعودة إلى العمل تجاه تطبيق اللامركزية في إطار المحافظة.

وبين شد وجذب صدر قانون اللامركزية الذي بين أيدينا الذي تعرض حتى في آخر محطات إنجازه الى محاولة تفريغه من جوهرة المتبقي وهو (الاستقلال المالي والإداري لمجالس المحافظات) وقد قمنا في الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة، بمعارضة هذا الفصل الذي كان من شأنه أن يجرد القانون من مضمونه ومراميه، وتوجهنا برسالة ذات بعد دستوري وقانوني منطلق من تفهم الضرورات الفعلية لتطوير الإدارة الاردنية، رفعناها إلى جلالة الملك عبدالله الثاني تمنينا عليه ألا يصادق على هذا القانون، الذي تم إقراره في مجلس الأعيان بعد أن نزعت منه المادة المتعلقة بالإستقلال الإداري والمالي لمجلس المحافظة، وبالفعل رد جلالة الملك القانون وأُعيدت هذه المادة إلى صلب القانون الذي كان دونها سيكون قانوناً خالياً من الدسم، ولا يحمل أي معنى للتطوير الإداري والتنموي.

«3» وقفة تأمل:

إن القانون الذي بين أيدينا يحتاج الى إعادة ترميم وضخ دفق للحياة في مفاصله، بعد أن أخضع للتجربة وبانت عيوبه. وبالتالي إعادة بنائه وفق أسس من شأنها تمكين اللامركزية بتعضيد مجالس المحافظات بصلاحيات وإمكانيات، وإعادة النظر بتركيبة العضوية لتلك المجالس، وكذلك الأمر بالنسبة الى المجالس التنفيذية التي لا زالت في حلة القانون الحالي، تابعة بكل تفاصيلها إلى الحكومة المركزية في العاصمة.

وقبل أن اقترح جملة من التعديلات على قانون اللامركزية المعمول به حالياً فإن النموذج الذي يحاكي الحالة الأردنية يتطلب ما يلي:

• أولاً: لا بد أن يتضمن القانون بوضوح نقل صلاحيات الحكومة المركزية المتعلقة بالتنمية والخدمات، إلى الهيئات التنفيذية والمنتخبةفي المحافظات. وأشدد على نقل تلك الصلاحيات وليس تفويضها، علماً بأن الكثير من المسؤولين يخلطون بين مفهومي نقل الصلاحيات أو تفويضها. فالنقل ضمن القانون صلاحيات غير قابلة للسحب، عكس التفويض، حيث أن الذي يفوض صلاحية ما، قادر على سحبها في الوقت الذي يشاء.

• ثانياً: أن تصبح مهمات الحكومة المركزية في عمان محصورة بإختصاصات السيادة على اختلافها، إضافة إلى وضع إستراتيجيات الدولة وموازنتها العامة، والإشراف على تنفيذ المشاريع ذات الصفة الوطنية أو تلك التي تكون عابرة لأكثر من محافظة، إضافة إلى عمليتي التقييم والمتابعة.

• ثالثاً: أن تصبح مهمات البرلمان أيضاً محصورة بالتشريع والرقابة دون ان يكون للنواب أي دور بموضوع الخدمات أو التنمية اللهم الا مشاركة الحكومة بوضع العناوين والتوجيهات العامه للتنمية بمعنى أن اللامركزية هي صورة ومضمون يقود الى أن تصبح مؤسساتنا مؤسسات متخصصة بأعمال محددة.. وإنهاء التداخل والازدواج والتضارب الذي يميز الادارة الاردنية حالياً.

• إن اللامركزية: إنما تعني تطبيق مقولة أن» أهل مكه أدرى بشعابها»، بمعنى أن تكون عملية تحديد المشاريع وأهميتها وأولوياتها وبالتالي تنفيذها والرقابه الفعلية المستمرة على سلامة الأداء والإنجاز، في إطار الموازنة المعتمدة للمحافظة جميعها، هي صلاحيات المجالس التنفيذية ومجالس المحافظات. بمعنى ان مجلس التنفيذي في المحافظة هو في حقيقته حكومة محلية في إطار اختصاصات التنميو والخدمات، وبالطبع دون المسائل السيادية التي هي من صلاحيات الحكومة المركزية. كما أن مجلس المحافظة هو عملياً برلمان محلي أيضاً مختص ايضاً بذات المسائل التنموية والخدميه ليس إلا.

• إن اللامركزية بهذا المفهوم والمضمون سوف تؤدي إلى عدالة على مستوى المحافظة بل وعدالة على مستوى الأفراد داخل المحافظة.

• واللامركزية تعني الموازنة المحددة مسبقاً لكل محافظة بتوزيع عادل فيما بينها، وبالتالي ينعكس ذلك على النهوض في البلاد بصورة كلية ومتوازنه فنتصدي بذلك إلى ظاهرة التباين الحاد في مستوى الخدمات والتنمية بين المحافظات، والحاصل حاليا، بل ونرتقي بالمناطق الاردنية كافة لمستوى الوضع القائم في العاصمه عمان. فننهي ذلك الاختلال الكبير في مستوى الخدمات والنشاط الاقتصادي بين العاصمه وبقية المناطق.

• اللامركزية في الحالة الأردنية تعني تخفيف الارتباط بالعاصمة واختصار الحلقات البروقراطية المعيقة والمبطئة للعمل، ذلك أن الإدارة الأردنية بالوضع الحالي لا تستطيع من كثرة الحلقات البيروقراطية من أن تنجز من بنود النفقات الرأسمالية في الموازنة العامة للدولة أكثر من 30% بأحسن الأحوال، وما يتبقى من مبالغ إنما يعاد إلى الخزينة ليتم إدراجها في الموازنة اللاحقة. وأعتقد أن اللامركزية من شأنها أن تخفف حركة السير على الطرق لاحتياج المواطنين حالياً أن يذهبوا إلى عمان لإنجاز معاملاتهم، مهما كانت هذه المعاملات بسيطة، وأن تخفيف حركة السير على الطرق من شأنه تخفيف حوادث السير التي أصبحت هماً وطنياً، نقدم على قربانها مئات الضحايا في كل عام.

• إننا نتوخى من اللامركزية وإن طبقت على نحو أفضل، توسيع دائرة المشاركة من قبل المواطنين والذي من شأنه أن يساعد الدولة لاكتشاف القيادات في الأطراف، التي لا تأخذ بالعادة فرصتها في ظل المركزية الشديدة إن ذلك يعني رفد الدولة بقيادات يتم اختيارها وفق أسس موضوعية وعملية.

• إن اللامركزية تعني رقابة فعلية ومستمرة من قبل المجالس المنتخبة على اداء المجالس التنفيذية، وهذا يؤدي بالطبع إلى تحديد مسؤوليات الجهات التنفيذية من حيث الإنجاز أو التقصير سواء بسواء. ذلك أن الوضع الحالي لا يُمكننا من اكتشاف مكامن التقصير في الدولة، فالتقصير «دمه ضائع» بين مؤسسات كثيرة متعددة وبين صانعي القرار ومنفذيه سواء كانت في عمان أو فروعها في المحافظات.

«4» القانون الحالي:

• أولاً: إن صلاحيات المجالس التنفيذية واسعة، فهي تقوم بإعداد الموازنة ووضع الخطط وتنفيذها بمقابل دور بسيط لا يكاد يذكر لمجالس المحافظات المنتخبة، حتى يبدو وكأن مجلس المحافظة بوضعه الراهن هو تابع عملياً إلى المجلس التنفيذي، وليس هنالك فرق كبير بين وضع مجلس المحافظة المنتخب والمجلس الاستشاري المعين في السابق! ويتم التعبير عن ذلك بالشكوى الدائمة من قبل الأعضاء المنتخبين في كثير من المحافظات، حتى أن بعضهم قد لوح في اكثر من مرة في اكثر من محافظة بتعليق اعمال مجالس المحافظات، نظراً لعدم جدوى وجودها وعدم قدرتها على ان تكون مشاركا فعليا بصنع وتوجيه القرار الإداري والخدمي في المحافظات. ونذكر في هذا السياق بأن إجتماعات المجالس التنفيذيه متباعدة، وكذلك اجتماعات مجالس المحافظات، وان تقارير المجالس التنفيذية التي تُقدم الى مجالس المحافظات، تقارير متباعدة أيضا نصف سنوية، مما يؤدي الى حالة من الإحباط والإحساس بعدم الجدوى.

• ثانياً: كما وأن الوضع الإداري والقانوني لمجالس المحافظات وضع مربك خصوصاً مع تعدد الجهات والمرجعيات المسؤولة عن اللامركزية في عمان، فتارة تم ربطها بوزارات ثلاث. هي التخطيط والداخلية والتنمية السياسية، وهي انتقائية لا تجعل الامور تسير في الاتجاهات الصحيحة المأمولة، وتارة وزارة الحكم المحلي ومسؤوليتها عن عملية اللامركزية والبلديات، هو خلط لن يعطي ما هو مأمول منه.

• ثالثاً: كذلك يجب ان نتوقف عند تلك العلاقة الشائكة وغير الواضحة والمتداخلة من حيث الصلاحيات بين مجالس اللامركزية وبين البلديات، إنه تداخل وتشابك وتضارب وازدواج بالصلاحيات لا بد من فض اشتباكه، حتى تعرف كل هيئة منتخبة، البلديات أو مجالس محافظات صلاحياتها بالضبط.

• رابعاً: والحقيقة أن التقييم الموضوعي وبعد عامين أو أكثر من تطبيق قانون اللامركزية، يدفعنا للقول أن القانون لم يعط أية صلاحيات تذكر للهيئات الحكومية العاملة في المحافظات، ولا زالت الأمور جميعها بيد الحكومة المركزية. ولا زالت المراتب الوظيفيه لأعضاء المجالس التنفيذية بدرجات منخفضة، كما كانت بالسابق قبل بدء العمل بقانون اللامركزية.

علماً ان أعضاء المجالس التنفيذية في كثير من الدول التي نجحت بصياغة نماذج فعالة للامركزية، هم بمراتب وظيفية عُليا، مؤهلة وقادرة على أن تكون جديرة بحمل القرار وصناعته على خير وجه.

• خامساً: ومن تتبع تطبيق القانون حالياً نستكشف عملياً أن الخطط التي توضع للمحافظات هي في حقيقتها من صنع المركز ومحددة بتوفر المخصصات المالية، تلك المخصصات التي ربما تتبدل بعد أن يتم إقرارها، كما حدث في شهر شباط من هذا العام، حينما قررت الحكومة تخفيض السقوف المالية لموازنة المحافظات أو حتى وقف العمل بالمشاريع الرأس مالية في المحافظات تحت ذريعة خفض العجز في الموازنة.

والنتيجة وأمام هذا الوضع نقول بإن نسب الإنجاز في تنفيذ المشاريع لا زالت متواضعة تماماً مثل الوضع الذي كان قائماً قبل تطبيق قانون اللامركزية.

«5» مستقبل اللامركزية:

ان اللامركزية قانون، وتطبيق اداري وتنموي وخدماتي، يسعى الى الاستخدام الامثل للموارد وتوزيعها بعدالة على كافة المناطق والتجمعات السكانية وانه مُلح وضروري الان قبل الغد، اذا كنا نريد ان نحقق الفائدة المرجوة. شريطة ان يتم تنفيذ نموذج للامركزية يناسب الحالة والاحتياجات الوطنية، وإيصال الخدمه الى مستحقيها افراداً ومناطق.

• ولضمان مستقبل فعال لقانون اللامركزية في الحياة الوطنية وبالذات ببعدها الإداري وتنموية والخدمية لا بد من الإجراءات الآتية:

1) نقل صلاحيات الحكومة المركزية الخاصة بالتنمية والخدمات إلى مجالس المحافظات والمجالس التنفيذية نقلاً وليس تفويضاً، وذلك لأن التفويض قابل للاسترداد ومن تجربتي بالعمل الحكومي، فإن حتى الجهة أو الشخص المفوض هو لا يسعى أن يمارس التفويض الممنوح له، لأنه يخشى من أن يترتب عليه مسؤولية جراء هذا التفويض اذا نتحدث عن نقل للصلاحيات في صلب القانون وليس تفويضا لها.

2) تفعيل دوائر المجالس التنفيذية المختلفة في المحافظات من زراعة وصناعة وصحة وتنمية اجتماعية ومالية...الخ، وذلك بالارتقاء بمستوى مدرايها على أن يكون كل رئيس دائرة عضو مجلس تنفيذي بدرجة أمين عام وزارة، وأن يمارس دور الوزير في إطار المحافظة، وأن يتم إعداد وتأهيل كوادر المجالس التنفيذية لتكون بسوية وكفاءة عالية قادرة على إنجاز المهمات الملقى على عاتق المجالس التنفيذية، خصوصاً من حيث اقتراح الموازنة ما تتضمن من مشاريع وكذلك طرح العطاءات ومتابعة تنفيذها على خير وجه.

3) أن يكون لمجلس المحافظة مبناه الخاص، لتمكين أعضاء مجالس المحافظه القيام بأعمالهم، وليس كما هو الواقع الآن حيث ان مجالس اللامركزية «المحافظات» محشورة في غرفة واحدة في مباني المحافظات !!!

الذين كان ذكرت هم برلمان محلي. وأن يكون لمجلس المحافظة دورة انعقاد شبيهة بالدورات «البرلمانية»، كما من الضروري أن يمارس مجلس المحافظة دور الرقابة والمتابعة الفعلية لأداء المجالس التنفيذية والسعي إلى تحقيق الإنجاز بالمواقيت المحددة.

4) إعداد وتدريب مستمر لأعضاء مجالس المحافظات والمجالس التنفيذية، ذلك أننا أمام تجربة غير مسبوقة أي اللامركزية، وبالتالي هذه مسألة تحتاج إلى فهم وإلى استيعاب مرامي وسبل تحقيق اللامركزية على أرض الواقع ويتم ذلك بالتدريب والتأهيل الداخلي، وكذلك الاطلاع المستمر على التجارب الناجحة دولياً والتي سبقتنا في هذا المضمار.

5) إعادة النظر بتركيبة مجالس المحافظات المنتخبة، ليصبح إلى جانب الانتخاب الحر انتخاب ممثلين للقطاعات المختلفة بحيث يضم مجلس المحافظة ممثلين لكافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعاونية والنقابية والمرأة والبلديات...الخ، من القطاعات النشطة في كل محافظة. بحيث ان ننتهي من مفهوم ان عضو مجلس المحافظة ممثلاً لمنطقة أو عائلة، وبالتالي الوصول إلى عضوية مجلس المحافظة بسبل غير مشروعة «المال الأسود»، إن مجالس المحافظات هي برلمانات محلية، برلمانات متخصصة في موضوع الخدمات وفي موضوع التنمية، وبالتالي يجب أن نأتي بممثلين حقيقيين لهذه القطاعات لان كما قلنا (أهل مكة ادرى بشعابها) وكما يقول المثل العربي (أعطي الخبز إلى خبازه) لا يجوز أن تترك عضوية مجالس المحافظات مفتوحة لمن هب ودب. إن مجالس المحافظات تقوم بأدوار إدارية وتنموية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية متخصصة تحتاج إلى خبراء، وإلى من يحمل مصالح هذه القطاعات فتترجم في الموازنة وتأخد أولويتها التي تستحق في الاداء العام للدولة.

6) إن صيرورة العمل والعلاقة لا بد ان تبدأ محطتها الأولى من المحافظة أي من «مجلس المحافظة والمجلس التنفيذي» نحو الحكومة المركزية ومن ثم العودة، بمعنى أن يقوم المجلس التنفيذي في المحافظة في بداية العام بتحضير موازنة المحافظة وفق الاحتياجات، ووفق الأولويات ووفق الأهم ومن ثم المهم، وتوزيعها على مناطق المحافظة المختلفة وفق الأولويات والحاجة الفعلية للمواطنين. فتعرض هذه الموازنة على مجلس المحافظة، الذي يقوم بمناقشتها وبتعديلها وفق ما يرى أن ذلك يخدم الناس بصورة أفضل. وما أن يصادق عليها حتى تذهب إلى الحكومة المركزية التي تقوم بدورها بدراسة موازنات المحافظات على اختلافها، وتقوم بعد ذلك بتوزيع الموارد المالية المتاحة على المحافظات وتعيدها مرة أخرى الى المجالس التنفيذية، التي تبدأ مباشرة بتنفيذ الموازنة وتحقيقها على أرض الواقع برقابة فعلية ويومية من مجلس المحافظة بإعتباره الجهة الرقابية المحلية المختصة بمواضيع الخدمات ومواضيع التنمية على اختلافها.

7) وحتى يكتمل عقد اللامركزية وحتى نحسن المجالس التنفيذية برقابة واهتمام الدولة المركزية، نرى ضرورة أن يكون هناك اجتماع شهري لرؤساء المجالس التنفيذية مع رئيس الوزراء لمتابعة العمل ورصد مستويات الإنجاز وإزالة أي معوقات.

8) وفي الختام لا بد وبعد أن تم انهاء إشكالية المرجعية الثلاثية المسؤولة عن مجالس المحافظات أي وزارات التخطيط والتنمية السياسية والبلديات، وحصرها بجهة واحدة وبالتأكيد هذه الجهة ليست وزارة الحكم المحلي فالجمع بين البلديات ومجال اللامركزية جمع غير موفق، بل من شأنه أن يزيد التنافر والتنافس ومزيد من الخلط في وظائف لكل منها لا بد من تصويب ذلك بربط «اللامركزية» بوزير دولة في رئاسة الوزراء مرتبط بالرئيس، إلى أن تستقر التجربة وننشئ وزارة للامركزية الإدارية والتنموية، مع ضرورة الإيضاح أن المحافظ صاحب مسؤولية مزدوجة فمن جهة هو مسؤول عن القضايا السيادية والأمنية في المحافظة، وهو رئيس المجلس التنفيذي ولا تعارض ولا تداخل بين المسألتين/ ففي المسؤولية الأولى هو مرتبط بوزارة الداخلية وبالثانية هو جزء من منظومة الدولة الإدارية للامركزية.

من هنا يمكن القول أن الدول الحية هي التي تقف دائماً بعد كل مرحلة من مراحل الإنجاز فتنظر إلى الخلف وتقوم بتصويب الأمور وإزالة نقاط الضعف التي اعترضت المسيرة، وبالمقابل تصليب النقاط الإيجابية، بحيث يتم تحسين الأداء العام.

يعني بالضرورة تحسين أداء الدولة وتحسين حياة المواطنين والارتقاء بالتنمية وبالخدمات وفق المستويات التي نرغب بها جميعاً.

والله والوطن من وراء القصد..