عمان - أحمد الطراونة

عشق الصحراء فنفد إلى قلبها، غنّى مع الإبل التي كانت تطرب لصوت حاديها، وأعاد للغدران وهج الحياة حين مسح عن وجهها وشرب منها، تتبع خطا العرب قبل غيره فاكتشف أسرار الحروف التي ما تزال تلوح على وجوه الصخور كباقي الوشم.

هو جهاد، الذي ارتفعت روحه عصر يوم أمس إلى السماء، بعد أن كان موقوفا على قيد الحياة يعاني ألم النسيان قبل ألم المرض، بعد أن أنجز العديد من الإبداعات التي ستبقى خالدة في ذاكرة الأردنيين من طلاب العلم والباحثين في شؤون الصحراء واستنطاقها، فكتبه ومقالاته التي نسجها على صفحات $ ستبقى مرجعا أصيلا لكل الباحثين.

يقول جهاد جبارة الذي يودعنا غدا الجمعة إلى مثواه الأخير في مدينة الزرقاء: «أحب الصحراء، وأفضل البقاء في أجوائها، وكما للطين وجوه فإن للصحراء وجوهها ومعالمها التي تميزها، وأهمها في الأردن الصهير البركاني الذي أنتج البازلت الأسود ذا الملمس القاسي جدا، والعجيب أن قسوته لم تمنع البدوي، منذ آلاف السنين، من تطويعه ونحته والنقش عليه واختراع الأحرف الصفوية التي هي أصل الحرف العربي».

ونعى وزير الثقافة د.باسم الطويسي الكاتب والباحث الأردني جهاد جبارة، حيث أشار إلى أن رحيله جاء خسارة للمشهد الإبداعي الأردني، خاصة وان جبارة كان واحدا من الباحثين المهمين والكتّاب المخلصين للوطن، حيث وثق بجهوده الكبيرة للمواقع التاريخية والمعالم الحضارية في الأردن مستخدما جميع الأساليب المتاحة، بالصورة والحرف واللقطة، وترك لنا إرثا طيبا يستحق عليه جزيل الثناء، فكتبه ستبقى مرجعا أصيلا للباحثين والمعنيين، وخاصة كتابه «صهيل الصحراء» وكتابه «وجوه الطين» وغيرها.

وأضاف الطويسي أن رحيل جبارة الذي جاب الصحراء الأردنية وتتبع تاريخ أهلها واستعرض إبداعاتهم ومنجزاتهم الحضارية التي كتبوها بالحروف الأولى يعد خسارة للمشهد الثقافي الأردني، وإننا إذ ننعاه فإننا نضرع إلى الله أن يتغمده بواسع رحمته.

كان جهاد يجوب الصحراء يبحث عن كنوزها ويرصدها حتى يدوّن ما فيها من جمال، ويرصد الحروف الأولى التي كتب بها العربي أسراره، فكانت عين كاميراته لا تكل ولا تمل، لا تقف عند حد أو يمنعها مانع، فتش الصحراء وعرف وديانها واستمع لأصداء الأصوات التي انطفأت في أوديتها.

يحوي كتابه المرجع الذي صدر عن مركز $ للدراسات «صهيل الصحراء» مجموعة كبيرة من المعلومات والاكتشافات الأثرية والصور والموثقة لصحرائنا الأردنية في 304 صفحات من القطع الكبير.فقد تتبع مراحل تطور النقوش والحرف العربي عبر العصور، وقدم صورا تظهر تكيّـف البدوي مع البيئة الصحراوية بما يخدم حياته اليومية، وصورا للنباتات الصحراوية، مبينا استخداماتها الطبية عند البدو وقدماء العرب، ويرصد المواقع والمعالم الصحراوية بالأسماء، وأصل كل تسمية، فتل الجذوم، وتل الرماح، والأربيتين، وغيرها من المكتشفات الأثرية في الصحراء الأردنية الممتدة على مساحة واسعة، قدمها برؤ?ة إبداعية ربط فيها بين الحياة وأهلها والأثر الذي يدوم.

كتب الزميل مفلح العدوان في تقديمه لكتاب جهاد جبارة والذي نشرته الرأي :«صهيل الصحراء» وتحت عنوان «استنطاق الإبل والسنة الصحراء»: «جهاد جبارة الباحث عن انعتاق روحه داخل عمق الحقيقة التي وجدها ترحالا واكتشافا للصحراء الأردنية على امتدادها، وفي كل معالم تضاريسها، كأنه تآخى معها، فوجد رفقته الحقيقية هناك مع الثموديين والصفويين الذي حاور ظلالهم، وناجى أرواحهم قبل أن يخط قلمه تفاصيل اكتشافه للمكان ولتاريخه وللكائنات التي اقامت فيه».

وجبارة من خلال سطور وصور كتابه «صهيل الصحراء» التي خطتها والتقطتها يد عاشق منتم لتراب هذه الصحراء- قراءة صحرائنا الأردنية من خلال ما يقدمه بلغته الأدبية البسيطة الشيقة من معلومات وأرقام ونتائج أبحاث وقراءات تاريخية أو اثارية، فعانق «الصقريات» و«وادي الغصين»، و«الشامة»، و«فيضة البقيعاوية»، و«صبخة القصايم»، ليصل إلى الصحراء وهي تسلم زمامها للكوفية الحمراء، والى أسرارها وأساطيرها، والرفاعيات وحكايات المجنون، و«الحزم الصواني» وصحراء «باير».

مزامیر صحراویة

جهاد جبارة

في تلك الصحراء ذئبٌ ما خانني، وسرابٌ ما خدعني، وناقةٌ أرضعتني، وشجرة طرفة ظللتني.

في تلك الصحراء غديرٌ ما زال يحتفظ بصورتي في البوم مائه.

في تلك الصحراء رملٌ إنْ توضّأتَ به غفر االله الذنوب.

في تلك الصحراء قبّرة تعزف على ربابة الفضاء لحنَ الاشتياف.

في تلك الصحراء يفيض حليب النوق فيتبخّر ليغدو غيمة تُمطر الأرجاء حنيناً.

في تلك الصحراء نحل أعدّ من رحيق الرمل عسلاً، أنساني حُلْوُهُ مرارَ المدينة.

في تلك الصحراء امل يغفو بين أجفان الإبل، ليصحو محلّقاً على جناح قطاة.

* نص نثري نشره الراحل على صفحات الرأي في 14 / 11/ 2014.