عمان- الرأي

استضافت مكتبة الجامعة الأردنية حفل إشهار كتاب "الدولة والتنمية العربية، تحولات المتغير النفطي والعلاقة مع النظام العالمي" لمؤلفه الأكاديمي أستاذ علم الاجتماع الدكتور مجد الدين خمش، برعاية رئيس الجامعة الدكتور عبد الكريم القضاة، ومشاركة نخبة من الشخصيات الفكرية والسياسية والاقتصادية والأكاديمية.

ويقدم الكتاب الصادر عن دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، ويقع في (657) صفحة باللغة العربية، تحليلات مستفيضة مدعمة بالأدلة الإحصائية الحديثة لعناصر الفكر التنموي المعاصر من مفاهيم ونظريات وسياسات وبرامج تبين دور السلطة السياسية في التنمية، وفي أزمة التنمية، والمشاريع الوطنية.

ويكشف الكتاب أن أزمة التنمية العربية الراهنة تتلخص في حدوث نمو في الناتج القومي الإجمالي، دون أن يصاحب ذلك تطور مستدام في القاعدة الإنتاجية المادية؛ مبينا أن المصادر التي أدت إلى حدوث تلك الأزمة هي: مفهوم التنمية التقليدي، والنموذج المرتبط به، ومسار التغير النفطي، والعلاقة غير المتكافئة مع مراكز النظام العالمي، وأخيرا ضعف خصائص القاعدة البشرية العربية.

وخلال الحفل، أعربت رئيسة قسم اقتصاد الأعمال الدكتورة خولة عبد الله سبيتان عن اعتزازها بالمشاركة في الحفل كمديرة له ومتحدثة فيه إلى جانب ثلة من العلماء والأساتذة؛ مشيرة إلى أن هذا الحفل يوثق لحظة انطلاق عملا علميا إبداعيا ثقافيا، حيث يلاحظ من الصفحة الأولى، مدى حرص المؤلف على الوطن وشبابه، وعلى المبدعين والمطورين، مهديا لهم ثمرة جهده وخلاصة علمه.

ووصفت سبيتان الكتاب بالمرجع الذي يطرح فيه المفهوم الشمولي للتنمية المستدامة، فينقل الكتاب القارئ من خلال فصوله الثمانية عبر رحلة مشوقة من سرد وتحليلات مستفيضة، مدعمة بالأدلة المقارنة، لعناصر الفكر التنموي المعاصر ما بين المفاهيم والنظريات والبرامج التنموية التي صاغتها السلطات السياسية المختلفة، ومدى مساهمتها في إحداث التنمية الشاملة من جهة وفي خلق الأزمات التنموية، وفي بعض الأحيان إلى التراجع من جهة أخرى.

وأوضحت أن الكاتب ومن خلال استعراضه للنظريات المتعلقة بالحضارات المعاصرة، عرض لمكانة الوطن العربي بينها، حيث استعرض أركان وركائز التنمية ومفاهيمها، بدءا من نظريات التنمية الحديثة، ومرورا بأزمات التنمية العربية ومصادرها والأداء الاقتصادي العربي وتقييم المستوى التعليمي ونتاجات التعلم، ومستوى الثقافة المجتمعية، ضمن إطار العولمة وانتهاءا بدور الدولة والتنمية الاجتماعية والبشرية عبر الماضي والحاضر والمستقبل.

في حين، قال نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور جواد العناني إن المؤلف يثير في كتابه موضوعا يندرج تحته ثلاثة عناصر هي: التنمية العربية والمتغير النفطي والنظام العالمي، في سعي منه لرسم العلاقة فيما بينها ويفسر في نهاية المطاف، كيف أدارت الدولة العربية العلاقة بين تلك المتغيرات، ليصل إلى نتيجة أن الدول العربية فشلت في تحقيق التنمية المستدامة، بسبب غياب مشروع حضاري شامل، وتفاعلها بأسلوب غير منتج جعل (التنمية المستدامة) غير متحققة إلا بفورات بسيطة في بعض الدول.

وأضاف أن المؤلف استهل كتابه بمقدمة بلغت إحدى وعشرين صفحة، لخصت وبأمانة محتوى الكتاب، وأبرزت أهم الحقائق التي يعالجها؛ مشيدا بالمقدمة التي على حد وصفه تستحق أن تكون وحدها أطروحة، وأن كل فصل من فصول الكتاب الثمانية هو بحد ذاته ملخص لكتاب كبير عن الموضوع الذي يتناوله ذلك الفصل؛ مشيرا إلى بذل خمش جهدا مضنيا في توفير المعلومات والإحصاءات المطلوبة.

وختم العناني حديثه بالتأكيد على أننا أمام موسوعة ملخصة أو دراسة شاملة تضم مجموعة أبحاث تؤدي إلى استنتاج هام، وهو بحق كتاب جامع للقضايا التنموية العربية، ويشكل مساهمة فكرية لقضية معقدة، (وقد نختلف مع الكاتب أو نتفق معه) على حد قوله، لكنه يبقى إضافة للمكتبة العربية، ومهمازا يحفز على مزيد من البحوث والدراسات المعمقة

واتفق رئيس هيئة الاستثمار الدكتور خالد الوزني في رأيه مع العناني فيما يتعلق بمقدمة الكتاب، التي جاءت شاملة، مؤكدا أن خمش من المؤلفين الذين يشعرون القارئ بأن كتاباتهم ليس لها هدف سوى تقديم ما يملكونه من علم يزكونه باجتهاد شخصي من تحليلات وقراءات ومقاربات، مهنئا المؤلف لشجاعته في إصدار مادة زخمة جمعت في هذا الكتاب، وتصدره في تناول مثل هذا الموضوع المهم الذي عرضه في فصول كتابه بموضوعية شديدة.

وتناول الوزني في مداخلته المقاربات المختلفة المتعلقة بالتنمية، منها ربط الدولة بالتنمية في العالم، حيث وجد وفي مقارنة بين قراءاته السابقة لموضوع التنمية العربية وتحليلات خمش، حيث بروز مقولات التي بينت أن الوطن العربي يحوي (22) اقتصاد عربي، لكن في المقابل لا يوجد اقتصاد عربي واحد يعتد به في موضوع التنمية الاقتصادية حتى عندما كان هناك تكاملية نسبية بين المورد البشري العربي وإمكانات التنمية.

وقال إن العالم العربي فهم موضوع دور الدولة في التنمية الاقتصادية، خصوصا في عقد التسعينيات من القرن المنصرم وبداية الألفية الجديدة، فهما خاطئا، وهو إما أن تنعزل الدولة تماما أو تنفتح تماما، ونجم عن ذلك أن دور الدولة كاد أن يختفي، في حين أن الأساس أن يكون لها في مرحلة الانفتاح الاقتصادي دورا أكبر بكثير من دورها في العملية الإنتاجية.

وأكد الوزني أن تدخل الدولة في العملية الانتاجية بالكامل أحبط من التنمية العربية، لفشلها في إدارة المشاريع الاستثمارية دون شفافية، ودخول التخاصصية فيما بعد، ما دفعها للانسحاب التام، وهو الأمر الأسوأ بكثير من عملية التدخل التام.

بدوره، قال مدير مركز الدراسات الاستراتيجية السابق الدكتور موسى شتيوي إن كتاب خمش اتسم بصفة الموسوعية، لمعالجته أربعة مواضيع متداخلة هي : الدولة، والتنمية، والنفط، والنظام العالمي، وكل واحد منها يصلح لأن يفرد له كتاب، للوقوف عليها بأبعادها وجوانبها المختلفة، مشيدا بجهود المؤلف الجليلة في تناوله للقضايا الملحة، ومتابعتها، وصولا إلى تحليلات مدعمة بالأرقام والبيانات الحديثة.

وأشار شتيوي في حديثه للثقافة ودورها في عملية التنمية، موضحا على وجه العموم أن الدولة استسلمت لثقافة المجتمع، وأصبحت حبيسة لها، فلم توظفها في التنمية، ولم تغير من مفهومها وجعلها ثقافة تنموية.

كما تطرق شتيوي في مداخلته لجدوى معالجة التنمية وجعلها موحدة في الدول العربية، بالرغم من التباين الكبير في خلفيات تلك الدول وأنظمتها ومصادرها. وقد كان خمش واعيا لتلك الأمور وأوردها في كتابه؛ منوها إلى ما يتفق عليه من حيث المبدأ أن تلك الدول تعاني من أزمة تنمية، ولم تنجز مشروعها التنموي الحضاري.

وختم مؤلف الكتاب خمش الحفل الذي حضره عددا من الأكاديميين والمفكرين والمهتمين، بمداخلة أكد فيها أن الكتاب غني بتحليلاته، التي تمتد إلى العلاقات المتداخلة بين الدولة، وسياساتها التنموية، وحركة المجتمع العربي، ويتميز بلغة سوسيولوجية راقية، وأدلة إحصائية دقيقة، وهو يغني المكتبة، ويوفر مرجعا رصينا لكل منشغل بأمور وقضايا المجتمع العربي.

وقال إن الكتاب تضمن مقترحا تطبيقيا لتجاوز أزمة التنمية العربية، يقوم على مفهوم شمولي للتنمية المستدامة، على أنها تشير إلى مشروع حضاري عربي يحقق نموا اقتصاديا مستمرا يؤدي إلى تزايد فرص التضامن العربي، وإلى تعديل تدريجي في مكانة العرب داخل النظام العالمي الجديد.

وكشف خمش أن هذا الأمر يستهدف الوفاء بالحاجات المتزايدة للمواطنين العرب ماديا ومعنويا، وضمان المحافظة على البيئة للأجيال القادمة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمواطنة الحقة، وترسيخ الهوية الجامعة في إطار من الديمقراطية والمشاركة الشعبية.