شعار المدينة الطبية الضبط والنظام وعلينا الحفاظ عليه

الأردن أكثر دولة عربية متقدمة في زراعة الأعضاء ووسائل التشخيص والعلاج الحديث

أصعب شيء بناء مستشفى وتأمينه بالكوادر والأجهزة الحديثة

لو كلفت بتشكيل الحكومة لقمت بترشيد الاستهلاك ورفعت سوية المراكز الطبية

نصيحتي للأطباء الشباب أن لا يستغلوا المريض


ما مِنْ مرّة، طوال السنوات الأربعين الماضية، وردت سيرة مدينة الحسين الطبية في الإعلام، إلا واسم الدكتور داوود حنانيا يحتل مساحة من الحديث حولها، فقد ارتبط اسمه بها، منذ البداية وما يزال مرجعا لمن يبحث عن صيغة لإعادة الألق المهني للقطاع الطبي، فهو أول من اجرى عملية قلب مفتوح في الأردن عام 1970، وبعد عامين أجرى أول عملية زراعة كلى في الأردن والعالم العربي، ثم أجرى أول عملية زراعة قلب في الأردن والعالم العربي أيضاً عام 1985.

وما مِنْ مرّة طوال العقود الماضية طُرح فيها الحديث عن مشاكل القطاع الصحي والمنظومة العلاجية، إلا واسم الباشا حنانيا على طاولة البحث عن حلول.

وما مِنْ مرّة كُتب فيها عن الراحل الملك الحسين، إلا واسم الدكتور حنانيا حاضرً في الملف أو الندوة، باعتباره الصديق والمستشار الطبي له.

وفي الحديث عن التعليم الجامعي، وبالذات الطبي، «لأبي زيد» كلمة تنطلق من الخبرة والمعايشة والإيمان بأخلاقيات المهنة.

ومثلها في الحديث عن ما اعتبره تراجع السمعة الأردنية في قطاعات العلاج والسياحة العلاجية.

حتى إذا وصل الحديث مع الدكتور داوود انسطاس حنانيا إلى القدس، حيث ولد، فإن ذكرياته تأتي حميمية مشفوعة بالدمعة المستعصية على ابن الـ 85 سنة.

مدينة الحسين الطبية تعرضت في الآونة الأخيرة لسلسلة من الشائعات القاسية التي غبنتها حقّها في الريادة، فهل بالإمكان إعادة قراءة ملف المدينة الطبية وتشخيص المشكلة؟

نعم، سمعت بذلك، ما أريد قوله أن في المدينة الطبية ضبطاً ونظاماً، فهذا دستورها، فإذا أردنا على المدى البعيد توسيع هذا الصرح الطبي الشامخ فكيف سيكون هناك ضبط وربط؟.

المستشفيات الكبيرة في العالم كله ليس فيها هذه الفوضى، لأن هناك إدارة ممتازة، لكن نحن يوجد لدينا فوضى،وهو سبب تراجع المدينة الطبية، إلى جانب التوسع الفظيع في منشآتها من قبل بعض مديري الخدمات، فكل واحد منهم يريد أن يبني ويتوسع وهذا أمر مكلف جدا.

لا شك ان لدينا توسعات، واختصاصات جديدة، هذا أمر جيد لكنه مكلف، والمشكلة كما أرى ليس في البناء، لقد سمعت ان هناك نية لعمل إعادة بناء المستشفى الرئيسي بهدمه واستبداله بأبراج، وهذا المشروع كما فهمت عرض على الملك

عبد الله وتكلفته حوالي 250 مليونا.

هذا الأمر غير معقول أبدا وتوجه غير منطقي وغير سليم، فإذا قارنا المدينة الطبية من ناحية الأبنية بمستشفيات لندن التي عمرها 150 سنة، ومستشفيات عمرها أكثر من ذلك بكثير نجد انها ما زالت تعمل بطريقة ممتازة جداً، ولم تقم بأي شيء من هذا القبيل فكيف نفكر في مثل هذا العمل؟.

ما العراقيل التي تواجه بناء مستشفى جديد خاص أو عام؟

وزارة الصحة لديها عدد كبير من المستشفيات، وخلال زيارات الملك التفقدية إلى محافظات المملكة،تكون أول طلبات مواطنيها من جلالته بناء مستشفى.

قد لا يعرف كثيرون أن أصعب شيء في الدنيا هو بناء مستشفى، لكن المهم في ذلك الكادر الطبي من ممرضات وأطباء وأجهزة طبية حديثة ومستلزمات أخرى لا غنى عنها للطبيب والمريض على حد سواء، فهي التي يجب أن نفكر بها ونجد لها الحلول المنطقية، وليس فقط نحصر تفكيرنا ببناء المستشفيات التي تحتاج لمن يشغلها. ومعظم ما ذكرناه لدينا نقص فيه.

أريد أن أوضح أيضا أن لدينا مشكلة أصعب من بناء أو استحداث مستشفى وهي مشكلة التأمين الصحي التي تحتاج إلى حل لأهميتها القصوى.

ما الحل برأيك؟

حتى يكون لدينا تأمين صحي شامل لا بد من إدارة مختلفة، وهيئة مستقلة مرتبطة برئيس الوزراء، أما الخطوة الثانية فتتمثل بوضع معايير، مستشفى درجة أولى ودرجة ثانية وثالثة... لا بد من تنظيم الأمور.

ما هي نصيحتك للأطباء الشباب؟

أقول أنني كبرت في العمر وقمت بعمل ما عليّ، وأتمنى على الأطباء الشباب أن يعوا جيدا بأن هناك مشاكل يجب أن تحل لإعادة تنظيم المنظومة الطبية في الأردن، ونحن قطعنا مراحل جيدة لكنها ليست كفاية، فهي ليست أكثر من نقاط مشرقة هنا وهناك، بل يجب أن يكون الأمر شاملا مثل انجلترا.

على أطبائنا الشباب أن يعملوا بجد ونشاط ومثابرة كما بدأ جيلنا، ويضعوا أمامهم أن الطبيب ليس رجل أعمال، هذا لا يعني أنه لا يحب المال، لكن للطبيب سقفاً، ولا يجوز تجاوزه، وأن لا يستغل المريض، وللأسف هذا ما أراه الآن يحصل لدى العديد من الأطباء حتى الشباب منهم، وأعتقد أننا بحاجة لتخطيط سليم يشمل كل مقدمي الخدمة الطبية، وهذا غير موجود.

ما أكثر ما يرتبط بذاكرتك حتى الآن؟

أمران أسياسيان هما عندي بمنطق القداسة: وحدة الضفتين، والدستور الذي شارك والدي في صياغته وأراه مقدسا لا يجوز المساس به إلا في حالة الخطر على المملكة.

لقد ساهم أبي كوزير عدلية عام 1952مساهمة كبيرة بصياغة الدستور الأردني مع لجنة الصياغة في عهد الملك طلال الذي رأى بعد توليه سلطاته الدستورية ضرورة تعديل الدستور بصيغة جيدة تمنح مجلس الأمة والحكومة المزيد من الصلاحيات وتلقي عليه المزيد من الواجبات وترسخ الحياة الديموقراطية على أسس عصرية فأمر الملك مجلس الوزراء بتقديم مشروع يقضي بتعديل المواد الدستورية القديمة ووضع مواد دستورية جديدة من نصوصه إنشاء مؤسسات دستورية مهمتها الرقابة الإدارية والمالية للدولة فصدر قانون المحاسبة في 31 من آذار عام 1952 كما وحرص الملك طلال على الاهتمام بالصحة و بالتعليم الذي أصبح الأساسي في عهده إلزاميا للأردنيين ومجانيا في المدارس الحكومية حسب نص الدستور.

أحب كثيرا التحدث عن والدي.. أجد في ذلك حنيناً، هو قدوتي وما زالت تعليماته وإرشاداته موضع تقدير متمسكاً بها حتى هذا السن من عمري خاصة التي تتعلق بالقدس، وهو من مواليدها.

أبي محامٍ من رجالات الحركة الوطنية الفلسطينية، شارك في تأسيس حزب الدفاع الوطني، رجل فاعل في سيرة المدينة المقدسة في النصف الأول من القرن العشرين، انتخب نائبا لرئيس بلدية القدس منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، وهي الانتخابات الوحيدة التي حصلت أيام الانتداب، ونجح معه يعقوب فراج عن المقعد المسيحي.

لقد عمل الكثير من أجل القدس بعدما تنبه واخوانه عرباً مسلمين ومسيحيين إلى خطورة ما يحاك ضدها.

ومع إعلان وحدة الضفتين عام 1950، انتقل أبي إلى عمان، واستقر فيها، كان ذلك عندما جاء سعيد المفتي وراغب النشاشيبي يطلبان منه الدخول في الوزارة، فاعتذر رافضا، لكن الملك عبدالله المؤسس الذي سبق وقابل أبي في الشونة وأعجب به، أصر على دخوله الوزارة فجاء وزيرا للاجئين ووزيرا للبرق والبريد، ووزيرا للخارجية ووزارة العدل حيث دخل الحكومة 16 مرة مع التعديلات، وعندما أخبر الملك المؤسس رغبته في الاستقالة أرسله سفيرا إلى لندن لمدة ست سنوات.

هل في قصة مرض الملك الحسين ما لم يُنشر ويعرف حتى الآن؟

هناك من أراد خروجي من الموضوع، وعندما حصل تشخيص لجلالته سألته على الهاتف ما الذي يحصل؟ قال لي بأنهم أخبروه بأن لديه فايروس (A) وبعدها فايروس (B)، ولم يعرف ما الذي سيحصل بعد ذلك.. وطلبت منه أن يرسل لي الإضبارة حتى أراها، ولم تصلني، وقتها كنت قد استقلت، وبعد أن اشتد عليه المرض أصبح يذهب إلى مايوكلينيك، وقررت زيارته فلم يُسمَحْ لي برؤيته. لقد كنت بعيدا عن الحالة المرضية للملك يرحمه الله.

أين وصلت زراعة الأعضاء في الأردن والعالم العربي؟

في الأردن تقدمنا على كل الدول العربية في زراعة الأعضاء، ونحن أول من قام بعمل زراعة الكلية، قمت بها في عام 1972، وبعدها تعلمت الدول العربية منا وأصبحوا يقومون بهذه العمليات في العراق ولبنان.

وكنا الأوائل في زراعة القرنية أيضا، وفي زراعة القلب نحن الأوائل وقبل إسرائيل قمت بها عام 1985 وكنا عاشر دولة في الزراعة. أيضا زراعة النخاع الشوكي كنا متقدمين فيها. نحن متقدمون بفضل الله في زراعة الأعضـــاء أكثر من أي دولة عربية.

استراحة

ماذا تتذكر من أول عملية قلب مفتوح أجُريت في الأردن؟

أتذكرها كلياً، حيث جاءت فتاة عمرها 21 سنة دخل (البيكار) في قلبها، فشكل لديها ثقبا في القلب، فقمت بعمل أول عملية قلب مفتوح لهذه الفتاة ونجحت بفضل الله، فكان أول من اتصل بي بعد العملية الملك الحسين طيب الله ثراه حيث تابع باهتمام مجريات العملية أولا بأول، بعدها قمنا بعمل عشر عمليات قلب مفتوح نجحت جميعها وانطلقت القصة واتسعت على مدار الوطن العربي وكانت هذه بداية المعالجة السياحية عندنا.

كيف تصف تجربتك مع عملية القلب المفتوح؟

رائدة ومميزة، نحن كجراحين نتدرج في الموضوع، أنا ذهبت ودرست جراحة القلب في انجلترا أولاً على يد كبار الجراحين ثم في هيوستن أكبر مركز قلب في العالم، كنت يومياً أرى 10-12 عملية قلب مفتوح، فأصبح الأمر بالنسبة لي عادياً، لكن عندما قمت بها ونجحت، كان الأمر مختلفا.. سررت كثيراً.

بعض أطباء القلب يقولون أن الرجال أكثر عرضة لأمراض القلب من النساء؟

صحيح، النساء مفروض أنهن مصانات بهرموناتهن، ومرض الشرايين والتخثر في الشرايين أو التصلب في الشرايين أقل لدى النساء، السبب المعروف لغاية الآن أن النساء مصانات بالهرمونات.

هل أصبحت القسطرة العلاجية بديلا قويا لجراحات القلب المفتوح؟

لا، ولكن تقدم موضوع القسطرة والعلاج من خلالها إلى حد كبير من زراعة الشبكات. الآن أصبحت زراعة الصمامات، فأخذت مكان عدد لا بأس به من الجراحة.

ما أكثر الدول العربية التي تطبق وسائل التشخيص والعلاج الحديث مثل دول العالم المتقدمة؟

الأردن.

ما الصفة التي تود تغييرها حقا في نفسك؟

عندما كنت في سن أصغر كنت أغضب سريعاً، الآن لا أغضب بسهولة. وأود أن أبقى كذلك.

هل تشعر بأنك أفضل حالا عندما تقضي وقتاً لوحدك أم مع مجموعة من الأشخاص؟

أفضل البقاء لوحدي.

لو كلفت بتشكيل الحكومة، ما أول قراراتك؟

لم أفكر في حياتي بالسياسة الداخلية الأردنية، لكن لو حصل ذلك وهذا لن يحصل أول ما أقوم به ترشيد الاستهلاك، والتأمين الصحي الشامل، ورفع السوية في المراكز الطبية جميعها.

كيف تحكم على نفسك هل أنت ظالم أم مظلوم؟

مظلوم.

هل يمكنك مجاملة الأشخاص الذين لا تحب التعامل معهم أم أنك لا تشعر بالإحراج من الابتعاد عنهم؟

لا أستطيع إلا الابتعاد عنهم.

الأســـــــرة

لدى د. حنانيا من الأبناء زيد يحمل بكالوريوس تاريخ من جامعة كورنيل وحصل على درجة الدكتوراة في الحقوق من جامعة جورج واشنطن ويعمل محاميا، متزوج ولديه ياسمينا ويارا.

مروان حصل على شهادة البكالوريوس بامتياز في العلوم السياسية من جامعة هارفرد ودرجتي الماجستير والدكتوراة في التاريخ تخصص «الشرق الأوسط المعاصر من جامعة ستانفورد ويعمل استاذا مشاركا في جامعة رينو نيفادا، ومحاضراً غير متفرغ في جامعة ستانفورد وبيركلي.

عماد خريج إدارة أعمال من الجامعة الأميركية في بيروت ويعمل مديرا عاما لشركة نقل للسيارات. ولديه من الأبناء داود وفيصل.

مي حصلت على شهادة البكالوريوس في علم الأحياء من جامعة هارفرد ودرجة الماجستير في السياسة العامة أيضا من جامعة هارفرد ولديها سيف وسلمى وقيس.