فيما تُواصِل قوى إقليمية ودولية الإنخراط الحثيث في «الفوضى» الليبية, التي أسّس لها وتواطأ ليبيون كُثر, ظنَّ بعضهم أنه بات حاكِماً أو اقترب من ذلك, «ساعدَه» في الوهم وأسّس له بعض العرب ومَعظم الغرب، يتوهّم طرفا الأزمة المتمادية فصولاً عبثية, أنهما جزء من لعبة الأمم الدائرة الآن بضراوة في أرضهم وعليها. نقصِد -فايز السراج وحكومته مُحتكِرة «الشرعية»، والثنائي حفتر وعقيلة صالح الذي يرأس برلماناً يصِف نفسه هو الآخر المُنتخب الشرعي-, هما إذاً يُكمِلان اللعبة ولا يلعبان دوراً أساسيّاً، إلاّ في ما خلا اتكاء أطراف اللعبة الدولية عليهِما للزعم أنه ينتصر لشرعية «طرابلس», أو دعماً لتبجّح الآخر في بنغازي.

وبصرف النظر عن جديّة المساعي الألمانية التي شابها التردّد وعدم الحماسة, بعد ضغوط وبروز حسابات متضارِبة لدى عواصم أوروبية وبخاصة باريس وواشنطن، فإن التصريحات اللافتة وغير المسبوقة في انحيازها التي أدلى بها المبعوث الأُممي غسان سلامة, الذي يُفترّض أن تقوم مهمته على تقريب وجهات نظر المُتحارِبين، والتأسيس لمقارَبة تحول دون استمرار الحرب, عكسَت ضمن أمور أخرى، حجم ومدى الفشل الذي سجّلته مهمة اللبناني سلامة, وبخاصة عندما «بشّرنا» بالمذابح والدم الذي سيُسفَك بعد إقتراب حفتر من السيطرة على طرابلس بسبب الدعم الروسي(...), وكأنه يستدعي تدخلاً غَربِياً, مُستنِداً ومُروجاً بالطبع للتسريبات الغربية المُغرِضة والهادفة خلق ذرائع لتدخل عسكري غربي مباشر, بعد زعم واشنطن أن «جنوداً» روس يُشاركون في معارك حفتر لاقتحام طرابلس وهو ما نَفته موسكو.

غسان سلامة في تصريحاته ينحاز إلى حكومة فايز السرّاج, التي تقول إن المجتمع الدولي يعترف بها حكومة شرعية انبثَقت عن اتفاق الصخيرات (الذي لم يُطبّق والذي بات شمّاعة يُبرّر أطراف الصراع من خلاله, تدخلّهم غير الشرعي في الأزمة الليبية).

المفارقة تتكرّر في مُذكّرتَيّ التفاهُم اللتين وقعتهما تركيا وطرابلس أردوغان/ السرّاج باتّكائِهما على اتفاق الصخيرات نفسه, الأمر الذي انعكس غضباً ورفضاً شديديْن من الجوار الليبي/ مصر وخصوصاً فرنسا واليونان وقبرص ودول أخرى, وجدَت في ما حدث فرصة للإنخراط في «لعبة الأمم» الدائرة ولم تُحسَم بعد, والتي لا يلوح في الأفق أنها ستُحسم بل ستزداد ضراوة واستقطاباً حتى لو سقطَت طرابلس في يد حفتر, وغدت حكومة السراج مطاردة أو اعتُرِفَ بها كحكومة منفى، رغم التهديدات التي أطلقها الرئيس التركي عندما لوّح بإرسال قوات تركية -إذا اقتضى الأمر- للدفاع عن طرابلس.

مُعسكرا الأزمة ولاعبوها الرئيسيون لا يُبدون عَجلَة, وما يجري الآن من تراشُق إعلامي وتهديدات وطرد سفراء وإطلاق تصريحات حربية وأخرى ذات طابع دبلوماسي, لا يعدو كونه مُحاولات لخلق مناخ تفاوضي يفضي إلى اقتسام الثروة النفطية والغازية المُهولة التي يختزنها البحر المتوسط في أعماقه.. شرقه خصوصاً وجنوبه, وإلى أن تحدُث الانفِراجة أو تتزايد احتمالات الانفجار, فإن نزيف الشعب الليبي.. خراب بناه التحتية وسفك دماء أبنائه ونهب ثرواته.. سيتواصَل.

kharroub@jpf.com.jo