عمان - الرأي

تعيد رواية «عَبْدُه والبحر» التي صدرت حديثا للكاتبة دينا بدر علاء الدين، تقديم الحكاية والحكمة وفق منطق التلقي التربوي الناضج الذي يراعي ما يحتاجه الطالب وفق مرحلته العمرية.

وتحكي الرواية الموجهة للفتيان وقائع قصة اجتماعية صاغت الكاتبة خطوطها بوعي تربوي، مستفيدة من عملها بالتدريس في مخاطبة القارئ وتقديم نصها بلغة سلسة يستطيع التفاعل معها.

وقدمت الكاتبة صورا بصرية جميلة، وكان البحر أداتها في تقديم نصها الروائي. لذلك فإن الرواية تحمل صورتين متقابلتين، كلّا منهما عكس الأخرى؛ الأولى عبارة عن صورة لحياة عَبْدُه الذي فقد والدته وأصبح يتيماً، وفي أثناء التخطيط المحكم الذي تقوم به الكاتبة لبناء «صورة الفقد»، رسمت صورة والد عَبْده الذي يعمل عامل نظافة في أحد أحياء المدينة، ويقوم على إعاشة ابنه ونفسه. ثم يقرر الأب الزواج بفتاة، وبعد أخذ وردّ من الفتاة، لكون العريس يعمل «عامل نظافة»، وأمام الواقع الذي ذكره والدها بأنها في العرف الاجتماعي «عانس»، وافقت الفتاة. وهنا تصور الكاتبة الحوار بين الفتاة ووالدها، ثم انتقال الفتاة إلى بيت الزوجية لتصبح أمام واقع جديد؛ حيث تبدأ بتدبير المكائد للطفل اليتيم، لكن الخير ينتصر في النهاية. أما الصورة الثانية فتمثلها قصة نجاح عَبْدُه في مواجهة مكائد زوجة الأب، وإصراره على النجاح وتقديم نموذج يُحتذى. وكان البحر دائماً هو المخلّص. إذ استطاعت الكاتبة تصوير حكمة البحر التي تتلخص في «الصبر» الذي هو مفتاح الفرج.

ترسم الكاتبة من هذه العناصر لوحة فنية ذات ثلاثة أبعاد؛ البعد الأول عرضي طرفاه الوعي وغياب الوعي،والبعد الثاني طولي طرفاه العدل والظلم، أما البعد الثالث فهو في العمق وطرفاه السعادة والشقاء. ومن هذا التقابل ينشأ صراع خفي من نوع خاص، مصدره أن القيم التي يعتاش عليها المجتمع دائماً بحاجة إلى تطوير ومناقشة وتجارب إنسانية حيّة تختبر مصداقيتها.

ومن الجوانب الجمالية في الرواية الالتفات السردي الذي تميز به أسلوب الكاتبة، وهو يعتمد على الإيقاع الثنائي الذي يعتمد على تعشيق زاوية رؤية الراوي العليم بزاوية رؤية الشخصيات، فالكاتبة في الوقت التي تستثمر فيه المعرفة الواسعة للراوي العليم، لا تتخلى عن الرؤية المنظورية للشخصية التي يتعلق بها الحدث، عن طريق الاحتفاظ بأسلوبها وبمستواها اللغوي، فتسمع صوتين في وقت واحد: صوت الرواي وصوت الشخصية.