جمال عياد

ناقد مسرحي

مسرحية «نوع آخر» التي عرضت مؤخراً، على مسرح المركز الوطني للثقافة والفنون، من رؤية وإخراج جويس الراعي، أعادت مسألة طرح الجسد لغة مسرحية بصرية إشكالية لجهة التلقي، من خلال مقدار الثقافة المخزنة في عقل المتلقي ووجدانه عن هذه المسألة، وكيف يُعاينها؛ ومن أي منظور فكري وجمالي، ينظر لها.

رغم أن ثقافتنا تنبثق من ميثيولوجيا جُلها سمعياً في لغة التواصل، إلا ان ميكانزميات العولمة في العُشريتين الآخريتين، ونحن ندخل القرن الواحد والعشرين، بدأت تنزاح تدريجياً نحو اللغة البصرية، مما أحدثت نوع من التوازن، في هذه الثقافة، من خلال حضور الصورة كلغة مهيمنة ضمن لغات التواصل، على مستوى العالم.

ولذلك فالمتلقي للشاشات التلفازية والذكية وغيرها، يجد نفسه يوقف (الريموت) على المحطات التي تظهر مشاهدها إبهارية، فيتواصل معها لجاذبية علاماتها البصرية والصوتية.

سقت ذلك الوجيّز، قبل الدخول إلى تناول المسرحية، التي جاءت أداءً جسدياً، سيميائياً في مختلف علاماته، إلا من بعض الكلمات المنطوقة، فكان الأداء، الذي تمظهر لوحات راقصة فردية وثنائية وجماعية، إشارات ورموز بصرية، مشحونة فعلاً عاطفياً ينحو التعبير فيه لجهة معاني كثيرة.

ما بين التمرد، والسخط، والغضب، والرضا، والألم، فضلاً عن إظهاره هذا الأداء للنوازع والغرائز والرغائب والهواجس التي تمور في دواخل النفس البشرية التي تعاني من اضطهاد وإقصاء وتهميش.

ذلك الأداء، الذي جاء متنوعاً في علامات الجسد الراقص البصرية، طُرح وفق فضاء لم يخلو من جمالية أخاذة بفعل التناغم الذي حصل بين جماليات المبنى والمعنى.

وكان الزخم التعبيري الأهم في لغة الجسد، الذي شد المشاهدين طيلة العرض، الأداء الراقص المنفلت من عقاله صخباً وشحناً درامياً، الذي يعد من أساسيات جماليات لغة الطقس المسرحي، وذلك لظهور تقنيات الحركات والنقلات لجهة المبنى والمعنى تلقائية فطرية، وهو ينفعل توقاً للتخلص من القيود الاجتماعية والسياسية والثقافية المهيمنة.

وقد تعمق الشكل الطقسي للعرض، لا بدوره التواصلي، بل انتقل إلى حالة إنزاح معها هذا النظام التواصلي القائم على التمثيل فردياً، كبناء سطحي يعبر عن البنى الخارجية للعرض لإشكالات اجتماعية، إلى نظام آخر تآلف من الرموز والدلالات الجسدية من (فردي) إلى (جماعي)، قدمه المؤدون الأربعة: محمد الأدريسي، وحمزة ضمرة، وفيدرا سوتو، ونتالي سلسع، مُنتجاً في الوقت نفسه البناء التحتي للعرض فبدا معه الجسد في البنى العميقه، يحتج ويغضب على قبح القيم السائدة للعولمة.

فرأينا التحولات الدلالية الكبرى لأجساد الراقصين، بتناغمها مع صور فيديو للنتائج السلبية لظاهرة الاحتباس الحراري في عمق المسرح، إذْ بدت الأجساد على الخشبة شخصيات موبوئة بالتوجس والريبة، فكانت أجساداً تنتفض وتتشنج، لا بل تختنق اضطراباً وتشوشاً في عقلها من جهة، ومن جهة أخرى أذىً وتشظي في جسدها؛ من هذه القيم السائدة للحضارة الراهنة التي ترسم خرائطها بالدم والبارود.

من جهة ثالثة أظهرت لغة الجسد، من خلال تناغمها أيضاً مع صور هذا الفيديو، في محاكاة لقدرة القوى الانتاجية النووية الهائلة، في دول الشمال الصناعي أساساً، في إيذائها للطبيعة، لينهار النظام البيئي، في محاكاة للواقع، عبر ظواهر الإنحباس الحراري، والموت الجماعي للحيتان، وذوبان ثلوج هائلة في القطبين الشمالي والجنوبي.

وبعد هذا الاستقراء السريع للعرض، يلاحظ المتواصل مع هذا العرض، أهمية رمزية جمالياته، لجهة طرح المعنى، حيث لم تعد الكلمات والعبارات والشعارات المكرورة في الخطاب الثقافي الإعلامي السائدين، التي تنعكس في الدراما التي تتضمنها المدرستين الأرسطية والبريختية، تستطيع أن تعبر عن التحولات السلبية الكبرى في العالم.

فجاءت جماليات المسرح الطقسي هي الأقدر في التعبير عن هذه التحولات الكبرى، عبر أدآت تقنيات الجسد البشري، وبخاصة تعبيرية «الصورة المسرحية»، وهذا على المستوى البنية.

أما على مستوى المعنى؛ فكانت تقنياته تعبر عن الغضب والتمرد جماعياً، تجاه خطر عام ضد حالات وسياسات ظالمة من قبل منظومات دول الشمال الغني، تتضرر منها المجتمعات البشرية، كون أن العالم أصبح قرية واحدة بفعل ترابطه بتقنيات العولمة.

ذلك أن الجسد، الأكثر تضرراً، بما يحمل من حيث استقباله ليل نهار الفيضان الهائل للعلامات السلبية سواء منها السمعية أو المرئية، بقوة عن هذا الخراب الهائل الوالغ في الحضارة البشرية.