عمان - محمد الخصاونة

مع إعلانها للحزمة التنفيذية الثالثة للاقتصاد تمضي الحكومة قدماً في تنفيذ تعهداتها التي أطلقتها، والتي تتخذ مسارات متوازية، وإن بدت للبعض متقاطعة أحياناً، ففي الوقت الذي أقرت فيه الحكومة زيادة على رواتب موظفي القطاع العام ترتبط بالعلاوة الفنية، إلا أنها لا تترك الأمور للصدفة أو المزاجية، بل تبدو مصممة في الوقت ذاته على تطوير أداء القطاع العام من خلال وسائل متعددة كربط الزيادات بالمسار المهني للمعلمين على سبيل المثال، وتشديد الرقابة على أداء المؤسسات الحكومية وموظفي القطاع العام.

وتعتبر إدارة تطوير الأداء المؤسسي والسياسات في رئاسة الوزراء، التي تقودها وزير دولة لتطوير الأداء المؤسسي ياسرة غوشة الذراع الرقابية لهذه الإجراءات، فهي تشرف على أهم أداتين من أدوات التقييم هما المتسوق الخفي، ومنصة بخدمتكم، إضافة إلى ما تقوم به من دراسات علمية تتعلق بهيكلة المؤسسات لتضعها بين يدي صانع القرار.

الرأي طرقت باب الوزيرة لتجيب على سؤال يدور في الاذهان حول مدى فاعلية هذه الأدوات الرقابية وانعكاسها على أداء القطاع العام، إضافة إلى تفاصيل أكثر عن عمل المتسوق الخفي ومنصة بخدمتكم التفاعلية.

هذا السؤال جعل غوشة تستذكر بدايات فكرة المتسوق الخفي عام 2002 بتوجيهات من جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي كان وما زال يقوم متخفياً بزيارات إلى مختلف الدوائر الحكومية ليطلع بنفسه على واقع الخدمات فيها، ثم وجّه جلالته بمأسسة هذه الفكرة.

تقول غوشة إن المتسوق الخفي قام ومنذ انطلاقه في 17/ 3/ 2019 وحتى امس ب 2633 جولة، جاب خلالها على الدوائر الخدمية في جميع محافظات المملكة، موضحة أن هذه الزيارات تتخذ اشكالاً متعددة.. فهناك زيارة ميدانية لموقع الدائرة يتم خلالها تقييم عدة أمور، منها مدى وضوح وسهولة الإجراءات، وايصال المعلومات لمتلقي الخدمة مثل الوثائق المطلوبة والوقت المستغرق لإنجاز المعاملة، وطريقة تعامل الموظفين مع المراجعين، توفر تسهيلات خاصة للمعاقين، توفر مواقف للسيارات، وكذلك قرب موقع الدائرة أو بعده عن وسائل المواصلات العامة.

وهناك طريقة أخرى تتمثل بالاتصال الهاتفي مع الدائرة وتقييم كيفية الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالخدمات، ومدى معرفة الموظف بالإجراءات، أما الطريقة الثالثة فهي تصفح الموقع الالكتروني للدائرة، لمعرفة هل تم تحديث المعلومات الهامة للمواطنين عليه؟ وهل تعمل الخدمات الالكترونية فيه بكفاءة.

وفوق كل ذلك، تتكرر الزيارات لكل دائرة بمعدل ثلاث مرات لتكوين صورة حقيقية عن واقع الخدمات فيها.

أما عن فاعلية هذه الزيارات ومدى انعكاسها على واقع الخدمات، تقول غوشة إن المتسوق الذي يتقمص دور مواطن يسعى للحصول على الخدمة، يقوم برفع تقرير واحد عن كل ثلاث زيارات، ونقوم نحن بتزويد الوزير المعني بذلك التقرير ليتعرف عن كثب عن واقع الخدمات التي تقدمها الدائرة التي تقع تحت مسؤوليته، ثم يتم رفع تقارير دورية لرئيس الوزراء ويطلع عليها مجلس الوزراء.

وتشير غوشة الى الاهتمام الذي يوليه رئيس الوزراء لهذه التقارير ومتابعته لنتائجها مع الوزراء المعنيين، وقد أثمر هذا عن بدء مختلف الجهات الحكومية بوضع خطط تحسينية من شأنها أن تنعكس إيجاباً على واقع الخدمات المقدمة.

وشددت على أن حرص الحكومة على الشفافية والحياد في التقييم جعلها تحيل مشروع المتسوق الخفي إلى مركز الملك عبدالله الثاني للتميز الذي تعاقد بدوره مع شركة متخصصة لتنفيذ الزيارات، فيما تعمل إدارة تطوير الأداء المؤسسي والسياسات على تحليل التقارير الواردة منها بهدف الوقوف على فرص التحسين مع الجهات الحكومية المعنية.

الجولات تتواصل

وحول المدة الزمنية للمتسوق الخفي ومتى سيتوقف عن جولاته، أكدت وزير دولة لتطوير الأداء المؤسسي أن هذه الجولات لن تتوقف حتى تنال الخدمات الحكومية ثقة المواطنين وقبولهم، فالتحسين عملية مستمرة وهذا لن يتأتى بحسب غوشة إلا بعمل ومتابعة أعضاء الفريق الوزاري وجهود المدراء والمسؤولين في جميع الدوائر لتقديم الخدمة التي يستحقها المواطن الأردني، فهذا المواطن المنتمي والذي يدفع ضرائبه يستحق أن ينال أفضل خدمة ممكنة.

ونوّهت غوشة إلى أن فكرة المتسوق الخفي ليست عقابية، بل تهدف إلى تعزيز فرص التحسين في الخدمات، لكن الجهة التي لا تتمكن من تحقيق ذلك رغم منحها جميع الفرص لا بد وأن يتم اتخاذ إجراءات إدارية تدفعها إلى تحقيق التحسين، كما سيتم مكافأة الجهات التي طورت عملها، وسينعكس ذلك على التقارير السنوية للموظفين كذلك.

المواطن شريك

المواطن شريك في التغيير.. جملة تكررها غوشة كثيراً.. وتقول في هذا الصدد إن الحكومة الحالية رسخت نهجاً تشاركياً مع المواطن بوسائل متعددة.. من أبرزها «منصة بخدمتكم التفاعلية» التي أطلقها رئيس الوزراء رسمياً في منتصف شهر كانون الأول من العام الماضي وفتحت أبواباً كانت موصدة ما بين المواطن وبعض المؤسسات الحكومية الخدمية، فالمواطن هو محور الاهتمام الأساسي عند وضع السياسات والبرامج التطويرية المختلفة، ومن حقه أن يبدي رأيه او يقترح او يشكو مستوى الخدمات المقدمة له، وعلى الحكومة وكافة العاملين فيها الإجابة على استفساراته وملاحظاته باعتبارهم موجودين جميعاً لخدمة المواطن ورفع سوية الخدمات المقدمة. كما فتحت أمام المواطن فرصة الإبلاغ عن المخالفات أو حتى تقديم الثناء لخدمة جيدة أو لموظف كان عند المستوى المأمول في تقديم الخدمة له.

وأعربت غوشة عن أملها في أن يصبح التعامل مع المنصة ثقافة أردنية بامتياز، مع التأكيد على أن تغيير أنماط التفكير والتعامل يحتاج إلى وقت حتى يصبح ثقافة وممارسة يومية اعتيادية سواء لدى المواطن أو الموظف الحكومي الذي يحتاج لوقت حتى يصبح هذا الأمر من المسلّمات لديه، مشيرة إلى أن عدد الطلبات التي تلقتها المنصة تجاوز 75000 طلب.

وانطلاقاً من هذا الفهم للواقع، فإن أهداف المنصة لا تتوقف عند سماع صوت المواطن فحسب، بل وإلى تعزيز المساءلة والشفافية والمساهمة في رفع الكفاءة والفاعلية والانتاجية وزيادة رضا وثقة المواطن بالخدمات الحكومية المقدمة، إضافة إلى رصد شكاوى وملاحظات المواطنين على الخدمات الحكومية لتوظيف المخرجات في عملية التطوير وتقييم الأداء المؤسسي والفردي، لتكون المنصة أداة للتخطيط المبني على المعلومات، مما سيؤدي بالنتيجة إلى الحد من ممارسات الفساد.

بيانات متاحة

وتأكيداً على نهج التشاركية ومبدأ الشفافية، فإن بيانات وإحصائيات المنصة متوفرة أولاً بأول على موقع رئاسة الوزراء، حيث يمكن للمواطن الاطلاع على لوحة المؤشرات ومعرفة كافة التفاصيل المتعلقة بالمؤسسات الخدمية المنضوية تحت المنصة والتي يبلغ عددها قرابة 107 من دوائر رئيسية وفرعية، بحيث يستطيع المواطن من خلالها الاطلاع على مؤشرات اداء اجمالي القطاع الحكومي لحظة بلحظة، فهناك على سبيل المثال الطلبات التي تجاوزت إطارها الزمني للرد (بمعنى أن الرد قد تأخر عن المحدد) وما هو سبب التأخير، وكذلك نسبة الاستجابة والعدد الحالي لإجمالي الطلبات وغيرها من المعلومات المهمة.

وتؤكد غوشة أنه تم اعداد نموذج لتقييم الدوائر الحكومية يتضمن مؤشرات اداء المنصة (نسبة الاستجابة للطلبات، نسبة الطلبات التي تجاوزت الاطار الزمني للحل، الرضا عن الحل) بالإضافة لمعايير تتعلق بجودة ردود ضباط الارتباط ومستوى تفاعلهم واستجابتهم لغرفة العمليات بحيث تقوم غرفة عمليات المنصة في رئاسة الوزراء باختيار عينات عشوائية من الطلبات والردود لكل دائرة حكومية للاطلاع على مدى الالتزام بهذه المعايير.

التقييم ثم التقييم

ودعت غوشة المواطنين إلى تقييم الردود على المنصة والمكوّن من خمس درجات، حيث أن بإمكان المواطن الذي استخدم المنصة ولم ينل الجواب المعطى له الرضا لديه أن يقيّم الرد ب 1 من أصل 5، وفي هذه الحالة ستقوم غرفة عمليات المنصة في رئاسة الوزراء بإعادة فتح الطلب مرة أخرى ومتابعته ما بين المواطن والدائرة المعنية.

واعتبرت غوشة أن تقييم الردود يشكل واحدة من الحلقات المهمة في تقييم عمل ضباط الارتباط للدوائر وكذلك للدوائر نفسها، علماً بأن إدارة تطوير الأداء المؤسسي والسياسات تقوم بدراسات وتقارير دورية مبنية على رأي وملاحظات وشكاوى المواطنين حول الخدمات الحكومية حيث يتم توجيهها للدوائر الحكومية ذات العلاقة لتقوم كل دائرة بمعالجة أسباب القصور والفجوات في الأداء مما سيسهم في رفع كفاءة وفاعلية الأداء المؤسسي وبالتالي رفع جودة الخدمات المقدمة لكل دائرة.

التصعيد الالكتروني

تقول غوشة، إن من أبرز ميزات المنصة إتاحة خاصية التصعيد الالكتروني لمختلف المستويات الادارية، حيث يتم تصعيد الطلبات التي لم يتم الاستجابة او الرد عليها ويتم إرسال الاشعارات على مستويين:

الأول: عدم الاستجابة خلال يوم عمل: وفي هذه الحالة يتم إرسال الإشعارات للأمناء أو المدراء العامين في الدائرة.

الثاني: عدم الاستجابة خلال يومي عمل، وفي هذه الحالة يتم تصعيد الطلب إلى الوزير المعني، علماً أن المنصة توفر لوحة مؤشرات لرئيس الوزراء وكافة الوزراء وللأمناء والمدراء العامين.

التكاملية مع المتسوق الخفي

تقارير من المتسوق الخفي، وأخرى من ملاحظات المواطنين عبر المنصة، كفيلة بوضع الدوائر الحكومية التي تقدم خدمات مباشرة للمواطنين تحت المجهر، هذا ما تقوله غوشة، مضيفة أن هناك تكاملية في العمل ما بين هاتين الأداتين الرقابيتين، فبناء على تقارير المنصة يتم توجيه المتسوق الخفي لزيارة دوائر معينة، والعكس صحيح، حيث تتم مقارنة تقارير المتسوق الخفي حول دائرة معينة مع التقارير الواردة حولها عبر منصة بخدمتكم.

التفاؤل بالمستقبل

في ختام اللقاء الذي دام قرابة الساعة، تؤكد الوزير ياسرة غوشة أن الموظف الأردني منتم لوطنه وعمله، قد تكون هناك بعض الأسباب التي تمثل تحدياً له لإنجاز عمله على أكمل وجه، ونحن في إدارة تطوير الأداء المؤسسي والسياسات نسعى وبالتعاون والشراكة مع جميع الدوائر على تذليل ما أمكن من تلك التحديات وتوفير فرص التدريب والارتقاء، وقد أنهينا مؤخراً وبالتعاون مع الإمارات تدريب 1000 مدرب من مختلف الدوائر ليقوموا بتدريب موظفي الصفوف الأمامية الذين يتعاملون بشكل مباشر مع الجمهور، وهي خطوة ستتلوها خطوات تهدف جميعها الى الارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطن الأردني.