قد تكون زلّة لسان وربما قصدها الرئيس التركي أردوغان, عندما تحدّث عن «شرطِه» انسحاب قواته الغازِية من الأراضي السورية، بالقول ولثاني مرة خلال شهر: إن بلاده «لن» تنسحِب من سورية قبل انسحاب الدول الأخرى. أما اللافت في التصريح الأخير الذي أدلى به السبت الماضي خلال اجتماع لحزبه (العدالة والتنمية) في اسطنبول, هو ما أضافه لـِ«شرطِه» الأول: هو أننا لن نخرج من سوريا, قبل أن تخرج الدول الأخرى «ويَطلُب» منا الشعب السوري ذلك شاكراً, مُستطرِداً ومُشدِّداً وهذا هو الأهم، أن القوات التركية موجودة في سوريا بـ«دعوة الشعب السوري» وبموجب اتفاق «أضنة», المُوقّع كما هو معروف بين البلدين قبل عقدين من السنين في مدينة أَضنَة التركية يوم (20/10/1998).

وبصرف النظر عن مدى صحة أو وجاهة ما ورد في تبرير الرئيس التركي حول «دعوة» الشعب السوري لجحافل جيشه لغزو بلادهم، وما إذا كان يقصد حقّاً مُرتزَقة ما يُسمّى «الجيش الوطني» الذي اخترعه قبل غزوته «نبع السلام» الأخيرة والثالثة بعد غزوَتي درع الفرات وغصن الزيتون, والتي لاقَت (الغزوة الأخيرة) انتقادات واسعة لدى حلفائه الأطلسيين خصوصاً, لأسباب تتعلق بدفاع الأخيرين عن كُرد سوريا ومشروعهم الانفصالي, ناهيك عمّا يُشكِّله مرتزقة الغزوات الثلاث من ثقل شعبي, يعرف أردوغان قبل غيره أنهم «صِفرِيّو» التأثير، فإنّ إتكاءه على اتفاق أضنة, الذي في نظره يمنح شرعية لغزوه اللاشرعي للأراضي السورية، يفضح من حيث عَلِم أم لم يَعلَم.. تجاوزه هذا الاتفاق بل انتهاكه, لأن العودة إلى «نصوص» الاتفاق تقول: انه يُسمَح للقوات التركية بـ«مُطاردة» الجماعات الإرهابية لعمق خمسة كيلومترات داخل الأراضي السورية, بعد «التنسيق» مع دمشق وبِعلمِ منها.

هذا لا يَحدُث الآن في احتلال المزيد من الأراضي السورية عبر ما سُمي عملية نبع السلام, ولم يحدث أصلاً في الغزوتين السابقتين درع الفرات وغصن الزيتون, ناهيك عن جملة الإجراءات وعمليات التتريك التي تجري على قدم وساق في الأراضي العربية السورية المُحتلّة, عبر تدريس المناهج الدراسية التُركية وفتح فروع لجامعة غازي عنتاب ورفع صور أردوغان في المكاتب والإدارات, و«رفرفة» العلم التركي على المباني, فضلاً وأساساً في عملية تغيير التركيبة الديموغرافية والمُكرّسة خصوصاً في نقل التركمان.. تركمان سوريا تحديداً إلى المناطق المحتلة و«إغراقها» باللاجئين السوريين إلى تركيا, عبر إجبارهم السكن في تلك المناطق (المُحتلة) والتخطيط لبناء مدن ومستوطنات مُختلَطة تجعل منها جيباً تركياً أشبه بمنطقة أمنِيّة عازِلة, على غرار تلك التي أَسّستْ لها إسرائيل (وحَصدتْ فشلاً وخيبة) في جنوب لبنان, وكادت تستنسخها في الجنوب السوري المُلاصِق للجولان السوري المُحتلّ.

بمقدور - موسكو - صاحبة اقتراح إحياء العمل باتفاق «أضنة», وتنظيم العلاقات السورية التركية على أساسه، المبادرة لالتقاط تصريح أردوغان هذا, والدفع لاعتباره حجر الأساس لعلاقات دمشق/ أنقرة، دون مُواصَلة المناورة واشتراط انسحاب الآخرين، لأن هؤلاء - كما جيوش أردوغان الغازِية - سيًجبرون على الانسحاب.. آجلاً أم عاجلاً.

kharroub@jpf.com.jo