تتدافع أحداث المنطقة بصورة متسارعة في الفترة الأخيرة، وكلما بدا الاعتقاد أن المنطقة ستشهد هدوءا تظهر مجموعة من الأحداث تجعل المنطقة ملتهبة مجدداً، وتبدو الصورة غير واضحة بل ومقلقة لسكان هذه المنطقة التي يبدو أنها على موعد دائم مع الأزمات والدمار.

ورغم مضي ما يقارب العقدين من القرن الحادي والعشرين إلا أنه يبدو لي وكأننا نعيد شريط بداية القرن العشرين، حين تم ترسيم المنطقة، وتحديد الدول بعد سقوط الامبراطورية العثمانية، وخسارتها الحرب العالمية الأولى.

في خضم هذه الأحداث تقوم تركيا، التي تبحث عن مشروعها العثماني الجديد، وبغض نظر دولي، بالتهجم على الأرض السورية ومحاولة تجهيزها لضمها لتركيا مستقبلاً، عبر حرب تركيا ضد الأكراد بحجة إيجاد منطقة آمنة وإعادة تركيز السوريين فيها، هذه الحرب التي تهدف إلى احتلال الأرض السورية وإلحاقها بلواء الإسكندرون السليب.

وفي ظل المشروع الاستعماري التركي، نرى صمتاً مريباً لدى بعض القوى السياسية، وكأن الموضوع غير مهم ولا يبرر الظهور للعلن والتصريح بوضوح حول هذا الموضوع، ومن أبرز القوى السياسية الصامتة هي حركة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب جبهة العمل الإسلامي، فرغم أن الحركة والحزب لا يتركان صغيرة أو كبيرة في الداخل الأردني أو في المحيط الإقليمي أو الإسلامي إلا ويصدرون بياناً يوضحون فيه موقفهم، فموقفهم كان واضحاً تجاه المجازر التي تم ارتكابها ضد مسلمي الروهنغا الموجودين في بورما والمهجرين إلى تايلند.

إلا أنهم لا يعلنون عن موقفهم تجاه ما تقوم به القوات التركية في شمال سورية، وعدم الإعلان عن موقف هو موقف بحد ذاته، ويمكن قراءته بكل سهولة ووضوح، فالإخوان المسلمون اليوم يؤيدون احتلال أرض عربية من قبل القوات التركية، ولا يستطيعون القول برفض ذلك، وهو ما يُظهر الانتماء الحقيقي للجماعة والحزب، ويؤكد المقولة التي يتداولنها أن الأردن ساحة وليس وطناً.

فجماعة الإخوان المسلمين في الأردن ما زالت جزءاً عضوياً من التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، كان همام سعيد نائباً للمرشد الأعلى للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وربما ما زال محتفظاً بمركزه حتى اللحظة، ولأن تركيبة التنظيم العالمي منذ تأسيسه أعطى الغلبة للمكون المصري، فإن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين اليوم يقف متحالفاً حتى النخاع مع المشروع العثماني الإردوغاني، لأن أردوغان وفر للإخوان المسلمين المصريين الملاذ الآمن، بعد سقوط نظام حكمهم في مصر.

وبالتالي فإن الإخوان المسلمين في الأردن لا يخرجون عن قرار جماعتهم الدولية، وهم مؤيدون عقائديون للاحتلال التركي لسورية، ويقبلون ما يقوم به أردوغان بالمطلق، وبالتالي فهم لا ينتمون حقيقة لفضاء الوطن العربي قومياً ولا يرون في أوطانهم إلا ساحات لتنفيذ مشاريعهم.

وللأسف ليست هذه هي المرة الأولى التي يقفون فيها ضد مصالح أوطانهم، وجميعنا يتذكر كيف ذهبوا معزين بالزرقاوي الإرهابي الذي اغتال الأردنيين وحاول قتل الفرح، وكيف صمتوا عن إبداء موقفهم من حركة داعش الإرهابية، ولم يقولوا بها شيئاً.

كيف يمكن أن نصدق من يتشدقون بحبهم للأردن والدفاع عنه ومحاربتهم الفساد فيه، وهم أنفسهم لا يستطيعون التلفظ بكلمة حق بمواجهة من يحتل أوطانهم ويقتل نساءهم وأطفالهم ويرهب السكان الآمنين، وهل يمكن أن نشهد كلمة حق من قبلهم في مواجهة حملة الاحتلال التركي للأرض السورية، أم سيبقون ساكتين خانعين لسلطان إردوغان؟

آملاً أن يتذكروا أيضاً أن الموقف المعارض من النظام السوري شيء ورفض احتلال الأرض السورية والحفاظ على الوطن السوري شيء آخر، وأن يتذكروا في ذات الوقت أن الساكت عن الحق شيطان أخرس.