*كتب المحرر السياسي

أربعة ايام تفصلنا عن يوم فتح صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس جديد للجزائر, وسط اجواء استقطاب داخلية حادة وحَراك شعبي لم يتوّقف منذ الثاني والعشرين من شباط الماضي, بإصرار منه على مُقاطعة الانتخابات الرئاسية والطعن في قانونيتها وشرعيتها, في مقابل حسم «سُلطوي» (الرِئاسة المُؤقّتة وقيادة الجيش) على المضي قُدماً في انجاز الاستحقاق الرئاسي, ورفضاً قاطعاً لمطالب الحراك ببدء مرحلة إنتقالية ووضع قانون انتخابي جديد ثم اجراء الانتخابات الرئاسية, وإن كان «الطرفان» التقيا مؤخراً على موقف واحد وصارم إزاء رفض التدخل الاجنبي?والذي تجلّى في بيان البرلمان الاوروبي الاخير وموقِفه الإنتقادي لممارسات السلطة إزاء الاحداث المتواصلة في الجزائر.

ثمة مُقاطَعة مُعلنة من قبل قطاعات شبابية ومجتمع مدني ونقابات واحزاب لانتخابات الثاني عشر من الشهر الجاري، إلاّ ان حملات المُرشّحين الرئاسيين الخمسة مستمرة, وخصوصا انها اكتسبت في الايام الاخيرة زخماً جديداً, خاصة بعد المُناظرة غير المسبوقة في التاريخ الجزائري المُعاصر, والتي جرَت بين المرشحين الخمسة بترتيب وإشراف من السلطة الوطنية المستقلة للإنتخابات, وبعد ان بدأ هؤلاء يتحدثون عن «تزوير وتلاعب» مُحتمَليْن في الانتخابات, بل ذهب رئيس الوزراء الاسبق علي بن فليس الى التحذير من أن «البلد لا يَحتمِل اي تلاعُب بال?نتخابات, وان حدوث ذلك سيُعقّد الوضع بكثير»، مُطالِباً في الوقت ذاته بانتخابات «نَقِيّة», مُكرِّراً المقولة التي ردّدها كثيراً وهي: ان «لا حل للازمة إلاّ بضمان انتخابات حرة ونزيهة». فيما تحدّث مرشح رئاسي آخر هو عبدالعزيز بلعيد عن «بيع الاصوات», مُعتبراً ان «سلوك بيع الاصوات مسألة خطيرة يجب ان لا تستمر».. وكان لافتاً هوالـ«صمْت» الذي التزمه إزاء هذه المسألة تحديداً.. المُرشَّح الرِئاسي الذي ارتفعَت أَسهمه مؤخراً على نحو لافت, بعد ان قيل ان حزب جبهة الوطني (الحاكِمة طويلاً منذ الاستقلال) «مَيّالة» الى دعمِه, ?نقصد هنا وزير الثقافة الأسبق والمرشّح الرئاسي عزالدين ميهوبي.

على المقلب الاخر... جاءت تحذيرات قائد الجيش لـِ«العصابة» وأذنابها وكل مَن تسوّل له نفسه, «المساس بهذا المسار الدستوري او عرقلته للزّج بالبلاد في مسارات محفوفة بالمخاطر, من خلال التشويش على الانتخابات او محاولة منع المواطنين من ممارسة حقهم الدستوري.. مُتوَعِّداً بصريح العبارة ».. العدالة وكل أجهزة الدولة, ستكون لهم بالمرصاد».

هو إذا سباق محموم بين الحَراك والسلطة على استقطاب الجمهور, وإذا ما سارت الامور دون حدوث مفاجآت او أعمال ارهابية وتم فتح الصناديق يوم الخميس القريب, فإن نسبة المشارَكة هي التي ستؤشر على توجّه الجمهور الجزائري الذي يتوجه اليه طرفا المواجَهة, في محاولة لجذبه الى خطاب اي منهما, وبخاصة بعد إنطلاق اول مُحاكمة «عَلنِيّة» لبعض رموز نظام بوتفليقة, ومنهم رئيس الوزراء عبدالمالك سلّال «وزميله» احمد اويحي ووزراء ورجال اعمال غيرهما, بعد تأجيلها ليومين بسبب انسحاب هيئة الدفاع عن المُتَّهمين بدعوى «عدم توفر الظروف المناسب? لانطلاقها», علماً ان المحاكمة تجري أمام مَحكمة عادِية, بررّها وزير العدل بلقاسم زغماتي بالقول: ان القانون ينص على مُحاكمة الوزراء في مَحكمة خاصة, لكنها لم تُشكّل في العهد السابق لأسباب مجهولة, وبالتالي فإنهم سيُحاكمون في محكمة «عادية».

الانظار مُتّجهة الى الجزائر, وخروجها من أزمتها المتمادية فصولاً منذ عشرة اشهر, يعني انها اجتازت مرحلة الخطر والفوضى. وهذا مرتبط بالتأكيد بمدى نجاح السلطة القائمة, في توفير أجواء مناسبة لانتخابات حرة ونزيهة, بدون تدخّل او ضغوط او تزوير, على نحو قد يُسهِم في إضفاء الشرعية على الرئيس العتيد إذا ما فاز في الجولة الاولى, اوعند الذهاب لجولة إعادة بين اول مُرشَحيْن حازا أعلى الاصوات, يُمكِن ان تَرفَع نسبة التصويت وتدفع لمُشارَكة حزبية وشعبية أوسَع.