أبواب -الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم الاجتماع

ترجم الفكر الإنساني إحساسه بمشاكل الإنسان و المجتمع بصور متعددة كشفت وجهات نظر متباينة، مثلت صورة صادقة لمنطق العصر وفلسفته وطبيعة إنتاج العلاقات المختلفة، وتأثير التنظيمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية على البناء الاجتماعي.

لقد واجه الفكر الاجتماعي أزمة في مطلع العصر الحديث عندما ارتسمت ملامح الإختلاف الكبير بين الصورة القديمة للتنظيم الاقتصادي والاجتماعي وبين الصورة الجديدة التي أخذت تفرض نفسها نتيجة الزيادة المضطردة في التعداد السكاني،ونشوء الدول الحديثة، والنتائج المتتابعة التي تمخضت عن التقدم العلمي إلى جانب انتشار التصنيع، وما رافق ذلك من أنماط مستحدثة كلية لعلاقات الإنتاج ومراكز القوة.

إن مواجهة هذا التغير الواضح والذي أخذت عوامله تتجمع ونتائجه تطفو على السطح بكثافة، جعل التفكير الاجتماعي ينحى باتجاهين مختلفين، أولهما لم يدرك أن التغير يتطلب نظرة جديدة للحياة وأبعادا جديدة أيضا لعلاقات المجتمع، وأن تقتصر عمليات المواجهة على تعديلات لا تمس أساس البناء الاجتماعي، فتؤدي إلى توازن يتحرك دائما إلى الأمام.

أما الاتجاه الثاني فقد أدرك أن التغير من حيث عوامله ونتائجه، أدى إلى ظهور ظروف عديدة تجعل البناء الإجتماعي القديم غير قادر على القيام بأدواره المطلوبة منه،حتى مع إجراء تعديلات لمواجهة الأبعاد المتغيرة لعلاقات المجتمع، وإنما يتطلب ذلك إصلاحا جوهريا يعيد ترتيب أجزاء البناء الإجتماعي، لتنبثق عنه علاقات جديدة تستقيم وتتوافق مع الطابع الجديد للمجتمع.

لقد استطاع الإنسان خلال القرون القليلة الماضية أن يكشف الستار عن أسرار العالم الذي يحيط به، واستمر في ذلك إلى أن أضحى التقدم التكنولوجي هو سمة العصر الحديث، إلا أن ما وصل له الإنسان من تقدم لم يصاحبه درجة متوازية من التقدم في كيفية التغلب على المشاكل التي تنشأ عن علاقاته بالآخرين، ما ساهم في إحداث فجوة في التوازن الاجتماعي، ذلك أن طبيعة التغير الاجتماعي وما صاحبه من تطور في مختلف مناحي الحياة، تركت آثارا بعيدة المدى على العادات والتقاليد الإجتماعية والبناء القيمي، مما أفرز مشكلات اجتماعية أحدثت انحرافا في السلوك الاجتماعي عن القواعد التي حددها المجتمع للسلوك القويم.

ولما كان الوضوح الاجتماعي يعتبر أساسا من أسس اكتشاف السلوك المنحرف وتحديد درجة خطورته وعمق تأثيره على الجماعة أو الفرد، فإنه يعتبر مقياسا هاما من المقاييس المحددة للسلوك الإنحرافي، مع الإشارة هنا إلى أن الإنحرافات تختلف من حيث درجة انتباه الناس لها في المجتمع، فبعض الجرائم مثل الخطف وهتك العرض بالقوة والقتل والسرقة المقرونة بأحد ظروف التشديد، تعتبر من الجرائم التي تخلق شعورا قويا بعدم الرضا في المجتمع، وبالمقابل فإن هناك جرائم مثل الإجهاض والسرقات البسيطة تعتبر أقل وضوحا من الناحية الاجتماعية، وبذلك ومن أجل أن يثير الإنحراف رد فعل في المجتمع يجب أن يكون له حد أدنى من الوضوح، علما أن جميع الجرائم سواء كانت جنايات او جنح أو مخالفات، تم النص عليها في قانون العقوبات في العديد من المجتمعات.

ولقد تعرض عدد من الباحثين لموضوع الوضوح الاجتماعي للمشكلة الاجتماعية أو انحرافات السلوك، وحاولوا تحديد العوامل والظروف التي تكون فيها أي مشكلة أو انحرافا واضحا للجماعة حينا وغير واضحة حينا آخر، ولكن اختلافهم في هذا الصدد كان أمرا ضروريا نظرا لاختلاف مداخلهم لدراسة الموضوع.

ومثال ذلك أن الذين يفضلون مدخل التفكك الاجتماعي الذي ينجم عن السرعات المختلفة لتغيير الثقافة في المجتمع، يعتقدون أن درجة حساسية المجتمع للمشكلة أو الإنحراف مسألة درجة فقط، لأن التغييرات الجديدة وما تحمله معها من تنظيمات اجتماعية وقيم جديدة ونظرة مختلفة للحياة، لا يسلم بها جميع أعضاء المجتمع مرة واحدة، بل تظل هذه النتائج الضرورية للتغيير محل جذب وشد حتى تأخذ مكانها كسمات معترف بها في الثقافة، ومن أجل هذا ينظر الشباب إلى سلوك معين على أنه أمر عادي وطبيعي، بينما ينظر إليه كبار السن على أنه سلوك غير مقبول وقد يصل إلى درجة الإنحراف السلوكي.

إن الحديث في موضوع الوضوح الإجتماعي للإنحراف، يعالج في ضوء مصطلحات عامة يتفق عليها المجتمع وتعمم على جميع فئاته دون استثناء، أو على الأقل إبراز العناصر المشتركة في موضوع الوضوح الاجتماعي، بغض النظر عن الإختلافات الفردية أو التمايزات الجماعية، ولكن اتساع نطاق المجتمع من الناحية الجغرافية والتأثير الشديد من الناحية الديموغرافية تثير صعوبة كبرى في مسألة الوضوح الاجتماعي، لأن الثقافة الكلية في هذه الحالة لا تشكل نمطا واحدا للسلوك، بل تشكل أنماطا متعددة بتعدد الثقافات الفرعية، وهذه نقطة جوهرية يجب مراعاتها عند دراسة رد الفعل الاجتماعي لإنحراف معين.

إن البناءات الإجتماعية تنقسم من الداخل إلى مجموعة معقدة من مراكز وأدوار تؤدي وظائف محددة، وهذا التمايز يولد اهتمامات وقيم متعددة، تنعكس على اتجاهات الناس في المجتمع وكيفية تعاملهم مع الضغوط التي يتعرضون لها، وهنا نلاحظ أن لكل دور،جانب بنّاء وآخر هدّام، ولهذا يتعرض الناس في مختلف المواقف إلى مصاعب قد تودي بهم إلى أنواع متعددة من الإنحراف، قد يظل محصورا في النطاق الفردي، ولكن إذا ما ازدادت بشكل ملحوظ فإنها تشكل مشكلة اجتماعية تقتضي من الباحثين اهتماما لمحاولة التغلب عليها.

إن السلوك الانحرافي إذا تحول إلى تفكك اجتماعي يصبح أكثر استرعاء للنظر وأكثر أهمية بالنسبة للمجتمع، ولعل مواجهة المجتمعات لمسألة التفكك الاجتماعي تكشف عن توجهات أيدولوجية مختلفة، ذلك أن المجتمع الذي لا يجعل التخطيط أساس التنمية الإجتماعية والإقتصادية ، يحاول أن يواجه المشكلة الاجتماعية مواجهة عمودية، أي العمل على القضاء على المشاكل واحدة تلو الأخرى مع عدم المساس بالصورة العامة، في حين أن المجتمعات التي تؤمن بالتخطيط كوسيلة لمواجهة كل ثغرة، فإنها تواجه المشاكل الاجتماعية مواجهة أفقية، بمعنى أنها تؤمن بترابط أجزاء البناء وترابط وظائفه، الأمر الذي يؤدي إلى اعتبار كل مشكلة تظهر في جسم المجتمع خلل أصاب البناء، ما يتطلب فرض حل عام يتناول الأساس الاقتصادي والبناء الاجتماعي معا.

إن اتساع نطاق المشكلة الإجتماعية وضغطها على بناء المجتمع يؤدي إلى التفكير في وسيلة التعامل معها بغية الوصول إلى حل جذري لها، ولكن الحل الذي يبدأ من مجرد الإلتفاف حول المشكلة دون الوصول إلى قلبها، ليس سوى محاولات لتعديل الشروط والظروف المحيطة بها، رغبة في تخفيف النتائج المترتبة عليها، ولكن المجتمع في وقت ما سيتبين أن الحل السليم للمشكلة الإجتماعية،إنما يتم عن طريق تغيير البناء من حيث إعادة ترتيب الأجزاء بهدف تحقيق المعادلة الإجتماعية الصحيحة القادرة على إستيعاب معطيات الحياة.

إن اختلاف مشكلات المجتمع ناتج عن عدة ظروف ، منها درجة التغير الإجتماعي التي يتعرض لها، وطبيعة البناء الاجتماعي، والمصادر الطبيعية المتوفرة التي يعتمد عليها، ودرجة التقدم العلمي والتكنولوجي، إضافة إلى نوع التنظيم الإجتماعي والإطار الأيديولوجي الذي يحدد طبيعة وكيفية علاقات الناس في الحياة الإجتماعية، من أجل هذا تختلف المجتمعات اختلافا واضحا في نوعية المشاكل الإجتماعية التي تتعرض لها، كما تختلف كذلك في نظرتها إليها وفي أسلوب وطريقة التعامل معها وصولا إلى حلها.

المشكلة الاجتماعية هي موقف يتطلب معالجة إصلاحية تشمل المجتمع أو البيئة الاجتماعية، أو تجميع وتكثيف كافة الوسائل الاجتماعية لمواجهتها أو تحسينها، وهاتان الناحيتان تتلاقيان وتمتزجان في أغلب الأحيان، ففي الحالة الأولى يمكن أن ندرج تحتها جميع المؤثرات التي ساهمت في فشل التوافق الذي يصيب الأفراد والأسر والجماعات الصغيرة، والتي يمكن ردها إلى ظروف البيئة التي يعيشون بها، وكمثال على ذلك ظاهرتي الفقر والبطالة، أو تزايد معدلات الجريمة، أما المشاكل التي تظهر في الحالة الثانية، فتلك تتطلب تكاثف عدد من الوسائل الإجتماعية لمواجهتها، فهي مثل الفشل في التوافق الذي يصيب البناء الاجتماعي وتأديته لأدواره الوظيفية.