عارف عواد الهلال

كَفْكَفْتُ دَمْعَاً مِثْلُهُ قَطْرُ النَّدَى

رَشْحُ المَآقِيْ بَارِدٌ وَسَخِينُ (1)

نَاضَتْ كَظَبْيٍ لاعَهُ وَجْدُ الهَوَى

مِنْ حَرِّ عِشْقٍ فِي الضُّلُوعِ دَفِينُ

ثَابَتْ وَأنَّتْ وَاللَوَاحِظُ أسْهَمَتْ

كَيْ لَا يَفِيضَ مِنَ العُيُونِ حَنِينُ

بَرْقُ العُيُونِ وَفِي الحَنَايَا رَعْدَةٌ

مِنهَا الصُّخُورُ عَلَى الصُّخُورِ تَلِينُ

جَمَعَتْ شَتَاتَاً تَحتَ وَطْأَةِ صَبرِهَا

ثُمَّ استَكَنَّتْ وَاستَغَمَّ أنِينُ

ألقَتْ هُمُومَاً مِنْ هُيَامٍ هَائِمٍ

لَهُ فِي حُزُومِ الخَافِقَاتِ عَرِينُ

حَارَتْ بِنُطْقٍ وَاسْتَحَارَ قَتِيلُهَا

تَدْنُو المَعَانِي وَالكَلَامُ سَجِينُ

بِالقَولِ كَادَتْ أنْ تَجُودَ مَعَ النَّوَى

وَالكَسبُ مَعْ قُربِ النَّوَالِ ضَنِينُ

رُؤيَا بِلَيلٍ طَافَهَا طَيفُ الرُّؤَى

يَا لَيتَ أحلامَ المَنَامِ يَقِينُ (2)

وَالصُّبحُ يُسفِرُ عَنْ أَمَانٍ طَالَمَا

يَصبُو لَهَا حِينَ الغُرُوبِ وَتِينُ

صَوبَ الغَوَانِي لِلفُؤادِ وَجِيبُهُ

لَولا المَشِيبُ لَدَى النِّسَاءِ يَشِينُ

مَا ضَرَّ شَيبٌ فِي العَوَارِضِ نَثْرُهُ

وَالشِّعْرُ فِي عِشقِ الحِسَانِ جَنِينُ

مِنْ قَلْبِ صَبٍّ لا يَقَرُّ جَنَانُهُ

يَغْوِيهِ رِئمٌ فِي التِّلاعِ حَصِينُ

قَالَتْ تَجَمَّلْ فِي الرُّبُوعِ ألا تَرَى

قُلتُ القَنِيصُ بِمَا جَنَاهُ قَمِينُ

إنِّي رَأيتُ وَمَا رَأيتُ سِوَى رُؤَىً

ضَعفَ القَوَامِ وَفِي الخَفَاءِ سَمِينُ

(جَسَّيتُ) نَبْضَاً كَادَ يَخمُدُ خَفقُهُ

فَازدَادَ بَهْلاً وَاستَفَاضَ مَعِينُ (3)

يَنسَابُ مِنْ لِيْنِ المَجَسِّ حَنِينُهُ

شَوقَاً لِمَاضٍ عَجَّلَتْهُ سِنِينُ

حَتَّى تَوَارَى خَلفَ آفَاقِ المُنَى

مَا كَانَ فَوقَ عُرَى الفُؤادِ يَرِينُ (4)

تَجلُوهُ عَنْ صَدرِ العَشِيقِ خَرِيدَةٌ

إنْ مُسَّتِ اليُسرَى تَغَارُ يَمِينُ

تَصطَادُ صِندِيدَ الرِّجَالِ بِذَابِلٍ

رَجُلٌ لَهُ شُمْخُ الرِّقَابِ تَدِينُ

يَأوِي طَلِيقَاً كَالحَرَارِ وَمَا دَرَى

أنَّ الفَتَى بِمَنِ اسْتَجَارَ رَهِينُ (5)

يَا رُوحَ نَفسٍ بِالنَّقَاءِ تَطَهَّرَتْ

إنِّي عَلَى طُهْرِ النَّقَاءِ أَمِينُ

يَا دُرَّةَ اليَاقُوتِ إنْ شَطَّ النَّوَى

مَنْ لِلْمُعَنَّى فِي الدِّيَارِ خَدِينُ

تِلكَ الهَوَاجِسُ قَدْ يَثُورُ مَثَارُهَا

حَسْبِي بِظَنِّي وَالظُّنُونُ تَئينُ (6)

وَالغِيدُ يَرمِينَ الهَوَى قَذفَ الحَصَى

وَقتَ الجَنَى حِينَ القِطَافُ يَحِينُ

يُبدِينَ شَوقَاً نَفثُهُ جَمْرُ الغَضَى

وَالوَصلُ بِالبُخلِ الشَّحِيحِ قَرِينُ

يَأتِي عِنَادٌ فِي رداءِ مَلامَةٍ

يُبْدِي المَلامَةَ دَائنٌ وَمَدِينُ

(1) اختلاط الفرح بالحزن، فالدمع البارد: من فرح. والساخن: من أثر الحزن.

(2) عجز البيت قاله على وزن البحر الطويل كلٌّ من قيس بن الملوح العامري (مجنون ليلى)، وقيس بن ذريح الكناني (صاحب لبنى).

(3) البهل: الغزارة، والباهل: العرْق الذي يدر الحليب في ضرع الناقة.

(4 يرين: يغطي.

(5) الحرار: الصقر.

(6) تئين: يحل أوانها.