فراس حج محمد

«موت المؤلف» نظرية نقدية، لها من يؤيدها ولها بالتأكيد معارضون وخاصة أصحاب النقد الاجتماعي والماركسي، مع التسليم بصحة أنه «لا يمكن أن يولد النص يتيماً، فالنص له أب وهو الكاتب، وله جدّ وهي الظروف التي نشأ فيها الكاتب والنص معاً؛ ظروف اجتماعية ونفسية وثقافية ومادية، هذه الظروف هي مَن صنعت الكاتب ومعرفتُها تنير النص».

وهذا، بلا شك، لا ينفي نظرية «موت المؤلف». إنه يعني ألّا يتدخل الكاتب في نصه فيفسره. مع أن بعضهم يفسر «موت المؤلف» بأنه يعني عدم تفسير النقاد للنص مرتبطاً بحياة الكاتب وبالظروف التي يظن أنها قد أنتجته. فيرون أن النص كائن مستقل عن كل شيء، عدا أن حياة الكتّاب وظروفهم وبيئاتهم هي محل دراسات أخرى تأريخية لحركة الأدب بشكل عام، وليست لفهم النص، أو حصر النص فيها. إنّ هذا النوع من الدراسات قاتل لأدبية الأدب، ويسير فيه نحو المحدودية، فلن يعمّر طويلاً.

لهذا يجب أن يموت المؤلف، إذ لا شيء قاطع في النصوص الأدبية، وإنما هي تأويلات من القراء والنقاد، يصيبون فيحرجون الكاتب، وقد يخطئون الحقيقة التي يريدها الكاتب، وبالتالي سيضطر الكاتب للرد والدخول في تفسير النص. أظن أن هذه الحالة ليست صحية.

يجب ألّا يظل الكتّاب حارسين للنص من الوقوع في زلل القراءة البائسة أو الخاطئة.. عليهم أن يدركوا أن النصوص كائنات حية انفكّ حبلها السري عن رحم الكاتب، ولم تعد بحاجة حتى للرضاعة. ولذلك تبدو لي عبقرية هذه النظرية التي تجنّب «حشر» الكتّاب، وخاصة العرب، في زاوية أن كل ما كتبوه من أفكار وتصورات يعود إلى تجربة شخصية عاش الكاتب تفاصيلها، فعالم الكتابة مليء إذن بما يشكل فضائح حقيقية لو تم ربطه ربطاً ميكانيكياً بحياة الكتاب، والكاتبات على وجه أكثر حرصاً واحتراساً.

وليس صحيحا أن نظرية «موت المؤلف» جاءت للتغطية على قصور العمل الفني وغياب عناصره، بل إن هذا ادعاء محض، إذ العكس تماماً، تعلي نظرية «موت المؤلف» من العمل الأدبي وتجعله مكتفياً بذاته، نصاً مطلقاً لا يحتاج أحداً سوى بنيته النصية. فإذا ما نُشر النص يجب أن تنتهي علاقة الكاتب به، فإذا لم يستطع النص الوقوف على قدميه والدفاع عن نفسه فهو نص لا يستحق الولادة، ولا يستحق القراءة أيضاً. فها هي الحكايات الشعبية والأساطير والملاحم والكتب السماوية، لا تحتاج لشيء غير بنيتها ليفهمها القارئ ويتفاعل معها، ويشتقّ منها حِكَماً و?حكاماً وتصورات وفلسفة حياة كاملة. فلماذا لا يشير الدارسون إلى حياة الكتاب في هذه النصوص؟ بل إنه لا يُلتفَت إلى الكاتب مطلقاً فيها.

لعل نظرية «موت المؤلف»، تُعقّد مسألة الإبداع ومسألة النقد معاً؛ فالمؤلف عليه أن يدرك أن مهمته ليست سهلة، وعليه أن ينتج نصاً مطلقاً غير مقيد بالظروف الشخصية والبيئية المحيطة به، وإن انطلق منها. بمعنى أن عليه أن يرتفع ويسمو وهو يكتب، لينظر إلى التجربة الشخصية ضمن الظروف البيئية على أنها تجربة عامة، يجب ألا ترتبط بأيّ رابطة بمؤلفها، أيْ ألّا يكون القارئ مجبَراً على العودة والبحث في تفاصيل حياة الكاتب وبيئته من أجل أن يفهم النص فهماً حقيقياً. على المؤلف أن يكتب نصاً كنصوص الأسطورة والنصوص الدينية والفلسفية الم?حررة من حياة الكاتب الشخصية.

أما بالنسبة للناقد، فإن نظرية «موت المؤلف» تجعله في مواجهة النص مجرَّداً عن كل ما يحيط به، وعليه أن يفكّك هذا النص ويستخرج ما فيه من قوانين جمالية خاصة، بناء على ما بين يديه من نصوص، وعليه أن يدرك أنّ لكل نص قوانينه النابعة منه وحده، وهنا تكمن مشكلة النقاد، إذ إن مقدرتهم في تفكيك النص تبدو ضعيفة أحياناً، فيلجأون إلى واحد من اثنين: إما كتابة تقرير مسحي عن العمل، فيصفون عناصره الخارجية، مُطعّمين الكتابة ببعض الملاحظات الانطباعية حول ما أثاره في أنفسهم من غبطة أو نكد أو حزن أو ما شابه. وإما أن يستهلك الناقدُ ?لحديثَ عن الظروف البيئية والحياة الشخصية للكاتب، وينبش تاريخ المدائن والقرى والقبائل، ويطنب في ذلك، فينسى العمل الأدبي، ليختم بحثه الفقير هذا بقوله إن هذا العمل كان نتاج ذلك كله. وما أيسر هذا وما أسهله! ولكن يا لسوء ما فعل الناقد!

لكن ما الذي توفره هذه النظرية للقارئ؟ إنها بلا أدنى ريب تفتح آفاق النص على عدد لا محدود من التأويلات والقراءات؛ لأنها تفترض عدم اليقين وعدم الثبات للمعنى، فالنص بما فيه من معانٍ ظاهرة ومضمرة ملكٌ للقارئ وحده، هذا القارئ الذي تحرّر بفضل هذه النظرية من سلطة الكاتب الأحادية ومراده المقتصر على ما يدور في ذهنه من معنى محدد مغلق وثابت، ليفلت النص من هذا القيد ويحلّق في مدارات من المعنى، ولا يلتفت القارئ فعلاً إن قصد الكاتب هذا المعنى أو لم يقصده، ما دامت البنية النصية تتيح له هذا التشكل المعنوي، وبالتالي فإن نظر?ة «موت المؤلف» تنطلق من فكرة احترام فهم القارئ، فلا يكون متلقياً سلبياً، بل تدعوه ليُعمل عقله بكل ما حُمّل من آليات وأفكار ومؤثرات ثقافية وبيئية، فيكوّن له رأياً ومعنىً خاصين به، فقد لا يشترك معه فيهما أحد آخر من القراء، مع الاعتراف بأحقية هذا المعنى، ويقف على قدم المساواة مع معاني الآخرين وآرائهم، فلا رأي ينقض رأياً مختلفاً عنه، ولا معنى قد يكون صحيحاً والآخر خاطئاً، فكلها لها القيمة نفسها مهما تعددت أو اختلفت إلى حد التناقض.

لقد طبّق جمهور القراء بفعالية -عبر منصات النقد الجديدة غير المحتفية بالناقد التقليدي- نظرية «موت المؤلف» تطبيقاً عملياً جيداً في ما بات يُعرف بالنقد التفاعلي، أو ما أسماه محمد حسن المرزوقي في كتابه «هكذا تكلّم القارئ»: النقدَ الافتراضي. فلم يعد القراء يحفلون بحياة الكاتب ولا بظروفه الاجتماعية أو السياسية، ولم يعودوا معنيين سوى بما يقرؤون، فإن فهموا وأحبوا تفاعلوا وكتبوا مراجعاتهم الخاصة بعيداً عن أيّ سلطة نقدية أو معنوية سابقة، وإن كرهوا واستغلق عليهم النص أيضاً تفاعلوا وكتبوا وجهات نظرهم. وليس شرطاً أن يك?بوا نقداً انطباعياً كما أشار المرزوقي الذي فرّق بين النقد الانطباعي والنقد الافتراضي، لكنهم يكتبون شيئاً آخر خاصاً، نقداً افتراضياً منطلقاً من علاقتهم المباشرة بالنص، جاعلين من الفضاء الإلكتروني منصة حاملة لآرائهم وحامية لها من الوقوع في شرك السلطات المهيمنة، وخاصة سلطة الكاتب وسلطة الناقد الكلاسيكي الذي أعلن «دونالد رولان» عن موته أيضاً.

إذن، تمثّل نظرية «موت المؤلف» أوّلاً انقلاباً على كل المرجعيات الكلاسيكية النقدية، ومن باب آخر تدفع نحو تحرر النص وإرجاعه إلى نقطة الوعي الأولى في التلقي غير الخاضعة لأيّ شروط سوى شروط القول نفسها، وتحرر طلبة المدارس من قراءة «بين يدي النص»، تلك الفقرات المجزوءة التي يظن مؤلفو تلك الكتب، البائسون فكراً، والفقراءُ فلسفةً، أنها تضيء النص، فهل كان النص معتماً ليضاء، أم إن القارئ أعمى ليضيئوا له النص بفقرة بائسة، أم إنّ هؤلاء امتلكوا الحقيقة المطلقة ليرشدوا الطلبة إلى ما يريدون؟ إنهم بذلك يؤسسون لسلطة زائفة لا?يعترف بها أحد لولا سلطة النظام المدرسي القائم في عمقه على الدكتاتورية الفكرية في أسوأ مظاهرها، حيث تستعبد الطالب منذ حداثة سنه، ليصبح مواطناً مدجّناً وخاضعاً للنظام السياسي، لا يراد له أن يفكر بحرية، إذ لو علموه التفكير الحر، لأصبح ثائراً على كل وضع خاطئ ومريب.

ربما لم يكن «رولان بارت» يعني ما ادعيته سابقاً، وربما كانت منطلقاته الفلسفية مختلفة تماماً عما ادّعيته، ومرتبطة بسياقاتها الفكرية المتمحورة حول فكرة النهاية في كل شيء من فروع الفكر والفلسفة والعلوم وحتى «نهاية الإنسان» و«موت الإله»، لكن يجب أن نحرر هذه النظرية أيضاً من هذا السياق الأسود؛ لتكون نظرية مطلقة أيضاً كالنصوص التي يجب أن يُطلق لها العنان، وتغدو ذات فاعلية في كلّ من عناصر العملية الإبداعية الثلاثة (الكاتب والقارئ والناقد)، مع التزام المؤلف بما يجب عليه، وأن ينضم الناقد الكلاسيكي «الميّت» إلى جمهور?القراء، ليحيا قارئاً عادياً غير مختلِف عن جموع القراء بشيء، ويكون بذلك واحداً منهم بلا أيّ سلطة، ويترك الحكم للقارئ، هذا الحكم غير اليقيني، فهو متبدل مع كل قارئ، بل وربما مع كل قراءة جديدة للقارئ الواحد، ناهيك عن انفتاح المعنى مع اختلاف زمن القراءة، وربما مكانها أيضاً، وحالات القراء التي تتبدل وتتغير كل حين، فلا شيء يظل ثابتاً في عالم يموج ويتغير باستمرار، وفي كل ذلك حياة متجددة لتلك النصوص.