د.غسان إسماعيل عبد الخالق

مع ضرورة التذكير بأن عصر المعلومات، هو المعادل الموضوعي للعصر الزجاجي أو لعصر انتهاء الخصوصية -أي الحقبة التي يدرك معظم المساهمين فيها أن الأسرار بأنواعها والخصوصيات بأنواعها قد أصبحت أسطورة ماضية وأن الإمعان في المكاشفة قد صار هو الامتياز المنشود- أقول... مع ضرورة التذكير بذلك، فإن اندثار سلطة الواقع بوصفها الإطار الناظم لأيّ منظومة أخلاقية، يمثل الضحية الأولى للمجتمع الافتراضي الذي لا يحتكم لأيّ سلطة سوى الرغبة الذاتية المحضة التي تحدد له ما هو مقبول أو غير مقبول، بما في ذلك القابلية للتعايش مع نقائض الش?كاء. ومع أن هذه القابلية لا تخلو من إيجابيات –مثل تصاعد الاستعداد لتفهم التنوع والاختلاف- إلا أنها عملت بوجه عام على بلورة شخصية وهوية رقمية سائلة، فردياً وجمعياً.

ونظراً لأن المجتمع الرقمي يقوم على الاستهلاك الدائم للصورة المتغيرة والمعلومة المتغيرة على مدار أجزاء من الثانية، فإننا وبقليل من التصرّف بمقولة «زيجموند باومان»، مضطرّون للتسليم بأن القانون الوحيد النافذ في هذا المجتمع هو «اعرف، استهلك، ارْمِ»! ما يجعل التفكير في إيجاد أو فرض منظومة أخلاقية ضرباً من المصادرة على المطلوب بتعبير المناطقة؛ إذ كيف لنا أن نطالب هذا المجتمع بالاحتكام إلى منظومة ثابتة وهو قائم على التغير والسيلان والتدفق بلا نهاية أو حدود، سواء على مستوى السياسة أو على مستوى الجنس أو على مستوى ا?معتقدات. إنه في الواقع، عابر لهذه كلّها، بالكلمة وبالصورة وبالفكرة، ولهذا فإن أقصى ما يمكن أن نطمح له على هذا الصعيد، هو تبلور القناعة الذاتية لدى أكبر عدد من المستخدمين الأفراد بأن «هذا صواب وهذا خطأ.. هذا جميل وهذا قبيح»!

ومن البديهي -بعد أن تطايرت السقوف والأبواب والشبابيك- أن يتطاير العديد من الثوابت على أرض الواقع، وعلى رأسها المصداقية السياسية طبعاً، وخاصة لدى التيارات المعارضة والراديكالية التي تنبّهت مبكراً لحقيقة إمكانية تعويض فارق الإمكانيات وفارق التأثير بينها وبين الأنظمة الحاكمة، من خلال استغلال ما يمكن أن أسميه «العصف الإلكتروني» الذي يمكن أن يتكفّل خلال ساعات بقلب اتجاهات الرأي العام، استناداً إلى استثارة عواطف الغضب والعنف، بناء على معلومات محدّدة ومخطّطة. ومع أن الأنظمة السياسية لم تدّخر وسعاً هي الأخرى لاستث?ار منصّات التواصل الاجتماعي، إلّا أنها ما زالت تضطلع بدور المدافع في أغلب الأحيان. ولست بحاجة -في ضوء ما تقدم- للزعم بأن جوهر العملية السياسية التي تمثل الواقعيةُ ركيزتها الأولى، قد أصبح في مهب الريح، ما دام أن كل سياسي وكل حزب وكل حكومة، قادرة على ابتياع الجماهير والمناصرين بلا حدود، من خلال البطاقات الذكية مدفوعة الثمن مسبقاً! ولعل مأساة «الربيع العربي» تمثّل أكبر شاهد على العواقب اللا أخلاقية التي يمكن أن تنتهي إليها المجتمعات الواقعية، جرّاء الاحتكام إلى سلطة المجتمع الرقمي.

وأما على الصعيد الاجتماعي الذي يمثل الجنس مرتكزه الرئيس، تشدداً أو اعتدالاً أو تحرّراً، فلا ريب في أن السيولة التي ألمحنا إليها سابقاً، قد أسهمت إلى حد بعيد في خلخلة كثير من الثوابت التي كانت ترقى إلى مستوى المحرّمات في المجتمع العربي؛ فمَن كان يتوقّع -على سبيل المثال- أن يتقبل الآباء أو الأزواج أو الأشقّاء حقيقة إقدام بناتهم أو زوجاتهم أو شقيقاتهم على استحداث صفحات شخصية تمور بصور ونصوص وتعليقات جريئة موجّهة لجمهور من «الأصدقاء»؟! ومَن كان يتوقّع -أيضاً- أن تتقبّل الزوجة حقيقة إقدام زوجها على استحداث صفحة?شخصية تمور بالصور والنصوص والتعليقات والصديقات؟! لقد أسهمت هذه السيولة إذن، في هز منظومة الواقع، ولم تؤدِّ في الوقت نفسه إلى إحلال منظومة رقمية موازية وواضحة المعالم، سلباً أو إيجاباً؛ فالحقيقة الوحيدة التي يمكن الجهر بها على هذا الصعيد، تتمثل في التفاوت الشديد بين رغبات أو حدود رغبات المساهمين، فضلاً عن صعوبة القطع بأن ظاهر هذه الرغبات يتطابق مع باطن المساهمين فعلاً، ما زاد من تشظي وازدواجية وانفصام المجتمع العربي الذي يعاني أصلاً من وجود العديد من المجتمعات الجوّانية الثاوية تحت سطح قشرته الظاهرة للعيان،?ناهيك بكل ما أحدثه العالم الرقمي من تداعيات على صعيد مؤسسة الأسرة ومؤسسة الزواج ومفاهيم الصداقة والحب... إلخ.

وأما على الصعيد الثقافي بوجه عام والصعيد الفكري بوجه خاص، فحدّث ولا حرج؛ لقد كشف الواقع الرقمي حقيقة العزلة العميقة التي يصطلي بها المثقف العربي والمفكر العربي، ومثّل تحدّياً سافراً له، بدءاً من مدى استعداده لامتلاك المهارات اللازمة لولوج هذا العالم، مروراً بمدى استعداده للتفاعل مع الجمهور إرسالاً وتلقّياً، وليس انتهاءً بمدى استعداده لمواكبة أحلام وأفكار وقيم الجيل الجديد. وفي المقابل فقد أتاح هذا الواقع الرقمي للآلاف من أنصاف وأرباع وأشباه المثقفين والمفكرين منصات لا تقدَّر بثمن وجماهير يصعب حصر أعدادها، ?ا جعلنا أمام مفارقة لا تخلو من الطرافة: المثقف والمفكر غير مؤهل غالباً للوصول أو التواصل مع الجمهور... والمثقف المزيّف أو المفكّر المزيّف يختطف الجمهور! في ظل انعدام أيّ سلطة أو معايير يمكن الاحتكام إليها لتفعيل دور الأول أو للحد من تغوّل دور الثاني. وأنّى لنا أن نحدّ ما دام أن أيّ شخص يمكنه أن يلتقط لنفسه صورة أمام الميكروفون، وأن يدرجها في صفحته بوصفها الدليل الدامغ على أنه ألقى محاضرة ضافية بحضور جمهور غفير، وأن يتلقى مئات الإعجابات والتعليقات والمشاركات، لقاء جهد لم يستنزف منه سوى بضع ثوان!

من جديد، أجدني مضطراً للتذكير بالسيولة التي أحدثها المجتمع الرقمي على الصعيد الثقافي عموماً والفكري خصوصاً، بدءاً من ملايين الأسماء التي طفت على سطح المشهد الثقافي المكتوب باللغة العربية، مروراً بآلاف الكتب التي طُبعت ونُشرت جرّاء الوهج الجماهيري للمجتمع الرقمي -بما في ذلك حفلات وأعراس توقيع الكتب ونشر النصوص والمقالات والأخبار- وليس انتهاءً بما ترتب على هذا كلّه من سيولة لغوية جرفت في طريقها غيرَ قليل من قواعد اللغة والعروض ومناهج البحث العلمي ومبادئ الحوار، وأطلعت في المقابل غيرَ قليل من التعبيرات الجارح?، فضلاً عن تنامي التطرّف في مواقف وردود أفعال المحافظين والمتحرّرين، واتجاه الفريقين إلى استخدام كل أشكال العنف اللفظي، والأخطر من ذلك تنامي نزعة التكفير وشيطنة الآخر لدى الفريق الأول وتنامي نزعة العدمية والعبثية واللامبالاة لدى الفريق الثاني، على نحوٍ جعل أكثر المتحمّسين لضرورة بعث كل المسكوت عنه إلى سطح النقاش والجدل يراجعون حماستهم، لأنّ ما اندفع ويندفع إلى السطح الآن خرج عن السيطرة تماماً، وراح يهدّد السِّلْم الاجتماعي في الوطن العربي!

نخلص من هذه المراجعة السافرة لواقع المجتمع الرقمي في الوطن العربي، إلى الزعم بأن الفجوة الحضارية التي كانت تفصل مجتمعاتنا عن المجتمع الرقمي -تبلغ أحياناً 500 عاماً- قد زادت من حدّة التداعيات والآثار الجانبية الناتجة عن الانفتاح على عصر المعلومات من جهة، لكنها سرّعت إظهار كل المسكوت عنه بلا هوادة من جهة ثانية، وخلال عقدين من الزمان فقط.

وفي المدى المنظو،ر أستبعد إمكانية ضبط المجتمع الرقمي بأيّ صيغة من صيغ المنظومات الأخلاقية، باستثناء البعد الأمني السياسي لهذا المجتمع بوجه عام ومكافحة الإرهاب بوجه خاص، لأسباب تتعلّق بإملاءات دولية يصعب التملّص منها. وأما على المدى المتوسط والبعيد فإن الرّهان سيظل متمثلاً بتزايد الرغبة في ضبط الذات لدى كل فرد على حدة، سواء على الصعيد السياسي أم على الصعيد الاجتماعي أم على الصعيد الثقافي-الفكري. وبعكس ذلك، فإن مجرّد التفكير بأن الحكومات العربية ستعمد إلى تفعيل قوانين أخلاقية ناظمة للمجتمعات الرقمية العربية،?يجعلنا نعتقد أن عدد المحاكم والقضاة والسجون لن يكون كافياً للوفاء بالحد الأدنى من مطلب ترسيخ سلطة هذه القوانين!