رفعة يونس

قلّةٌ هم مَن كتبوا عن المخيّم الفلسطينيّ.. عن علاقاتهِ.. وعن نسيجِهِ الاجتماعيّ.. عن مآسيهِ وأحزانهِ، وعن معاناةِ اللاجئين فيه..

نحنُ الآن أمام كاتبٍ قد أبدعَ في تبحّرهِ بهذا الشأن.. يحيى يخلف الذي أجاد في روايته «ماء السماء» الكتابةَ عن مأسسةِ المخيّمِ (إن صحّ هذا التعبير)، فمنذ بدايات اللجوء، بعدَ خروجِ الفلسطينيين من أراضيهم، وتفرقهم في المناطق المحاذية، هائمين على وجوههم، تاركين ممتلكاتهم وأحلامهم هنــاك, حاملين معهم الذكرياتِ التي استوطنت عقولهم وقلوبهم طيلة فترة هذا الغياب القسريّ، ظلَّ الحنينُ يسكنهم، ساءتْ أحوالُهم، وذلَّ عزيزهم، بعد أن تفرقوا في الأصقاعِ، لكنْ جمعهم هذا المخيّم، حيثُ بدأوا من الصفرِ أو حتى من تحته، استندوا ?لى ما تبقى لهم من عزيمةٍ وإرادة، وبمساعدةٍ من وكالة الغوث في تأمين الأبسط من ضروريات الحياة لعيش شبه كريم لهم.. ورغم كلِّ المآسي والأحزان.. رغم كلّ هذا العوز والضّيق، إلا أنهم كانوا قادرين على بعثِ الفرح حتى من الصّخر!

فقد أحس الفلسطينيون أنهم في خندقٍ واحدٍ في مواجهةِ هذا العالم، التفوا حول بعضهم بعضاً، القويُّ منهم يسند الضّعيف، وكلهم يأتمرون بالرأيّ السّديد لكبيرهم، تفرقوا في البحثِ عن سبلِ عيشٍ كريمٍ، عملوا في كلَّ ما وجدوه من أعمالٍ صعبةِ وشاقة، فمنهم من عمل بالحراسةِ لبيوت الأثرياء، ولبعض الورش، حتى في أيام الثلجِ القارسة، لا يدفّئهم إلا عزائمهم وتمسكهم وتشبثهم بالحياة، وظلَّ رغم قسوةِ حيواتهم مكانٌ للحبَّ والفرحِ حتى لو لفتراتٍ قصيرة.. كانوا يحتالون على الوقتِ ليصنعوا جمالاً لأعمارهم وسط كلِّ هذا القحط! ويرسمون في?مخيلاتهم واحات وسط كلّ هذه الصّحارى!

انخرطوا في السياسةِ، والأحزابِ، على أملِ أن يحققوا الوحدة المنشودةَ, لاستعادة أراضيهم السليبة. ورغم الإحباطات والتقاعسِ من حولهم، ظلَّ يسكن دواخلهم الأملُ، ظلوا المنتظرين للشروقِ وللبدايات الواعدة.

ما أجمل ما اختار الكاتب من اسمٍ لـ «ماء السّمــاء»، ليعبّرَ عن هذه الحالة القدسيةِ بانتظار الأمل وابتسامات الحياة, فمن جراح تلك النكبةِ سينبت مرجٌ للزّهرِ، وغابات خضراء يانعةٌ للحياة, تعطي الظلال وتنشر شالات للربيعِ في كلِّ اتجاه!

ورغم الخيباتِ التي عايشها الفلسطينيون، إلا أنَّ أعوادهم اليابسة قد امتلأتْ بالحياة، وعروقهم الجافة قد اخضرّتْ وزهت وأينعتْ.. هي العتبة الأولى في مشروع التحرير.. التكاتف الفلسطينيّ جنباً إلى جنب، رغم تعدد الأطياف والميول. فما دام الهدف واحداً فلا ضيْر من ذلك.

لم أعرضْ لذكرِ أسماءِ ما ورد من شخوص في روايةِ يحيى يخلف، فالمحتوى وفحوى الرواية هو الأهم. لقد أجاد كاتبنا في سبك أغوار شخوصه، وُفِّق تماماً باختياراته لوصفها وتتبعها، حتى باتت تلك الشخوص مكملةً للوحةٍ رائعةٍ أجاد رسمها بفسيفساء كلماته، ولا يحسُّ القارئُ إلا بتكملةِ أحدها للآخر، ولا ننسى دور المحبّةِ بين تلك الشخوصِ، في إخراجِ تلك اللوحةِ على أتم وجهٍ. وقد ركّز الكاتبُ على حاجتنا لذلك، اليوم وغداً وفي كلِّ حين، وإيماننا بأنَّ هنالك جيلاً جديداً قادماً ليخطَّ طريق النّصرِ لتحرير الأرض.. ولا بدَّ أنْ يأتي.

انتهتْ الروايةُ على فجرٍ مضيئ، على شمسٍ مشرقةٍ، وعلى حرير أمل.. وبداياتٍ مباركة..