محمد بنعزيز ناقد سينمائي من المغرب

شابّة دنماركية تُبحر إلى السويس، فتهبّ عاصفة على السفينة في بحر المغرب. هكذا تروي «تان» (ميريل ستريب) لـ«دنيس» (روبرت ريدفورد)، في «الخروج من أفريقيا» (1985) لسيدني بولاك، حكاية الشابّة نفسها، التي تُلقى حينها على شاطئ مغربي ذي رمل أبيض. تشعر «تان» بجفاف في حلقها، فتدخل إلى الخيمة. هذا كلّه في جوّ رومانسي، مع عشاء قرب موقد في الصحراء، وموسيقى وكؤوس ورقصة. يترك «دنيس» رفيقته تنضج على مهل. عندما يُدرك أنّها نضجت، يفتح ذراعيه لها، فتأتي عطشى إلى شفتيه. تمثيلٌ فيه قدر كبير من الغواية. تلتحق العاشقة بالخيمة وتنتظر العاشق الذي يأتي إليها في الدقيقة الـ100 من الفيلم. أيُّ صبرٍ. علامة أخرى على النَفَس الطويل في هذا الفيلم، كما في «اللدغة» The Sting الذي أنجزه جورج روي هيل عام 1973، و"الرجل الذي يهمس للخيول» (1998) لريدفورد. لا يظهر الممثل إلا بعد مرور نصف ساعة على بداية الفيلم.

هذه شذرات من أفلامٍ لروبرت ريدفورد، المُكرّم في الدورة الـ18 (29 نوفمبر/ تشرين الثاني ـ 7 ديسمبر/ كانون الأول 2019) لـ"المهرجان الدولي للفيلم بمرّاكش».

يعرض «الخروج من أفريقيا» كيف تمدّدت الإمبراطورية الاستعمارية في الجغرافيا والثقافة الأفريقيتين. لكن سيدني بولاك لا يروي سيرة إمبراطورية بل سيرة امرأة حالمة (ستريب)، تبحث عن السعادة في أفريقيا. في خلفية مشهد القبل الساخنة، ولحظات الملل، توجد «ماما أفريكا». الإمبراطورية في حالة الفعل. تسيطر على المجال، وتحوّل حقول الرعي إلى حقول قهوة، فتستثير وتستولد مقاومات محلية للهيمنة. إمبراطورية تُحدِّث الفضاء بفضل قطار وآلة، في منعطفٍ قبل الخراب الذي ستجلبه الحرب العالمية الأولى. رغم الأفق التحرّري للفيلم، تبدو الفوارق صارخة بين منازل المستعمرين البيض وصحّتهم وعلاجهم وطعامهم ولباسهم، والسكّان الأصليين.

لإدوارد سعيد وصف مذهل لهذا المشهد، في كتاب «الثقافة والإمبريالية» (ترجمة كمال أبو ديب، «دار الآداب»، 2014). النظرة الاستعمارية المبهجة للشرق تتناقض مع ما يجري في أوروبا. يقول: «بينما تتمزّق الكتابة البورجوازية في الغرب، تُنتج نصوصا متجانسة عن الاستعمار كوعي» (ص 218ـ 220). علامة تمزّق؟ يبدأ الفيلم بصفقة قذرة. بعد تخلّي عشيقها عنها، تعرض «تان» جائزة على شقيقه المفلس ليتزوّجها. في أفريقيا، يفترض بالرومانسية أن تشتعل، حيث ينتظرها «دنيس» لمداواة إحباطها.

تتكرّر هذه المهمة في فيلم أخرجه ريدفورد ومثّل فيه: «الرجل الذي يهمس للخيول». فيه متابعة لصحافية ناجحة في مهنتها، تمضي جُلّ وقتها على الهاتف. تتعرّض لأزمة في حياتها الخاصة. امرأة مدينية ناجحة، تحتاج إلى من يهمس لها. تقصد رجلا (ريدفورد) يهمس للخيول والنساء التائهات. مشاهد شاعرية لفرس على الثلج. لعب ومرح. فجأة، تتحوّل حياة المراهقة، المحظوظة والسعيدة، إلى جحيم. أدّت سكارليت جوهانسن الدور بشكلٍ أثبت أنها ممثلة واعدة. مع مرور الوقت، وبفضل الرجل الذي يهمس ولا يصرخ، يتحسن وضع الحصان، فيتحسن وضعي المرأة وابنتها. رجل يتكلّم مع الخيول قادر على أن يهمس للنساء بعمق.

يحضر الأداء نفسه، الهامس والساحر، في «العجوز والبندقية» (2018) لديفيد لوري. ممثل لا يصيح ولا يتنهّد بشكل رتيب، لأنه صقل دوره. يرتكب جريمة ثقيلة بلمسة كوميدية، يؤدّيها بمصداقية مذهلة. حتى في دور مجرم، يلعب الممثل بشراسة لبقة. ريدفورد لص فنان، يرسم بقلم الرصاص مسرح الجريمة التي يخطط لها. يلاحظ قلادة على عنق امرأة التقاها، فيستنتج أنّها تحب الخيول. هكذا يتكرّر حضور الرسم والفروسية في أفلام ريدفورد.

أدّى روبرت ريدفورد دور اللص في أفلام كثيرة. تنجح الأفلام بفضل عناصر قليلة، وأداء سهل ممتنع. هذا يعطي فكرة عن حجم الجهد المبذول في الكتابة والانتقاء الذي يأتي بالجوهريّ إلى مقدّمة الشاشة، كما في All Is Lost، الذي أنجزه جي سي شاندور عام 2013. في أفلامه، يهمس الممثل للكاميرا. يتحرّك أمامها بهدوء. قليل الكلام. كثيف النظرات. يجسّد الحياة الداخلية للشخصية التي يؤدّيها. يسرق بهدوء وأناقة. شيخ مجرم، لم يطلق رصاصة واحدة في حياته. يسرق همسا. يصعب الحديث عنه من دون التفكير في العجوز الآخر الصامد على الشاشة، كلينت إيستوود الذي يطلق رصاصاً كثيراً.

رغم ما سبق، لا يصل الوصف إلى مستوى اللغة البصرية في تقديم أداء الشخصية. لتعويض نقص الوصف، يمكن استخدام البرهان عكسيّاً، لإظهار عيوب حذّر منها أندره تاركوفسكي في كتابه «النحت في الزمن» التي لا أثر لها في أداء ريدفورد. لا يستخدم «كليشيهات» مسرحية بالية، ولا يمطّ الأداء بتكلّف. لا مكان للادّعاء والابتذال في تمثيله. ريدفورد الممثل يهمس للكاميرا وللنساء اليائسات. لديه طريقة فعّالة لإنقاذ النساء المحبطات. يرفع معنوياتهن. يُرجع إليهن ثقتهن بأنوثتهن. يفعل ذلك على مهل. في «الرجل الذي يهمس للخيول» و"خارج أفريقيا»، هو «جنتلمان» غير مستعجل. لا يهجم على رفيقته، بل يترك الزمن يمرّ في علاقته بالمرأة، حتى تُشفى جراحها. في معظم أفلامه، يلتقي نساء محبطات في الثلاثين من أعمارهنّ. لا يتورّط مع قاصرات، بل يتطوّع لجبر خاطر امرأة ناضجة مصدومة، لفقدانها ثقتها بالرجل. بفضله، تستعيد الثقة. يُنضجها بهدوء، فتعشق مجدّدا. تجد أحضانه مفتوحة لها. من فرط جودة الأداء يتماهى المُشاهد مع الممثل، فيفتح هو الآخر أحضانه لاستقبال الجمال.