سألني البعض لماذا تكتب عن مؤسسة أجهضت قبل ثلاثة عقود فكان جوابي أن الفكرة التي وئدت قبل أن تكتمل لا تزال عالقة في ذهني وبعض أحداثها محفورة في ذاكرتي وذاكرة آخرين، ومن باب الحكمة وأخذ العبر لا بد من التعرف على كيفية اغتيال المؤسسات والأشخاص في بلدي بدم بارد دون محاكمة عادلة للفكرة من وراء إنشائها، آملين ونحن نسمع هذه الأيام بأن حكومة الدكتور عمر الرزاز تدرس دمج أو إلغاء العديد من المؤسسات المستقلة بان يخضع القرار الحكومي بشأنها لدراسة مقارنة ما بين كلفة وفائدة إبقائها قبل إتخاذ قرار الإلغاء أو عدمه حتى لا يصيب هذه المؤسسات ما أصاب المؤسسة الطبية العلاجية. لقد أعلمني أحد القريبين من المغفور له الحسين بن طلال بأن جلالته كان مقتنعاً تماماً بالفكرة بعدما تجمعت لديه معلومات حول عدم جدوى إستمرار وزارة الصحة في إدارة الشأن العلاجي على المستويين الثانوي والثالثي، وقد تأكد لي ذلك من خلال ما تفضل به الراحل العظيم في إجتماع مجلس أمناء المؤسسة الطبية العلاجية الأخير عندما قال «لقد كان التباين في مستويات الخدمة بين المؤسسات الصحية في القطاع العام وراء إنشاء المؤسسة الطبية العلاجية لتعمل على رفع مستويات الخدمة لتصل جميعها إلى مستوى ما وصلت اليه الخدمات الطبية الملكية، فمن حق الجميع دون إستثناء الحصول على خدمات علاجية متطورة»، وقد أسف جلالته لما آلت اليه المؤسسة من مشاكل وخلافات وعقد بين مكوناتها. نعم لقد تعرضت المؤسسة الطبية العلاجية للمحاكمة السطحية غير العلمية منذ البداية عندما كانت فكرة وخلال نقلها إلى الواقع العملي وصيرورتها في كيان مستقل من عدة جهات. فالصحافة لعبت دورا ومجلس نواب عام 1989 ساهم في الهجوم عليها وعلى رموزها لأسباب واهية وشخصية بحتة، ثم جاء اجتماع مجلس أمنائها الذي أشرنا إليه والذي ركز على نقاط الضعف فقط حيث لم أجد فيما أثير في الجلسة ما يرقى إلى مستوى القبول به كأسباب قوية للإلغاء، فمثلاً رئيس الأركان في ذلك الوقت المرحوم المشير فتحي أبو طالب أنتقد رفع أقساط التأمين الصحي على العسكريين رغم أن هذا الرفع هو رمزي لأن الفرق ما بين ما يدفعه العسكري وبين القسط المقرر في نظام التأمين الصحي الموحد الذي تبنته المؤسسة الطبية العلاجية يدفع من القوات المسلحة لدعم ميزانية الخدمات الطبية الملكية وهذا هو المتبع الآن لأن حصيلة الأقساط المتحصلة من إشتراكات العسكريين والمتقاعدين ومنتفعيهم لا تكاد تغطي جزءا بسيطا من الإنفاق الصحي العام في مستشفيات القوات المسلحة الأردنية. كما أن الأرباك وتأخير برامج التعليم والتدريب التي يعتقد بأن المؤسسة الطبية العلاجية كانت قد أحدثته آنداك كما أشار لها مدراء المستشفيات الجامعية لم تكن معلومات دقيقة وواقعية بل العكس هو الصحيح فقد أصبحت المؤسسات الثلاث المندمجة شركاء حقيقيين في التعليم والتدريب الأكاديمي وأتيحت برامج الإقامة المعتمدة دولياً لجميع المؤسسات المندمجة. ثم جاء اجتماع مجلس النواب القاصم لظهر المؤسسة العلاجية بعد جهود حثيثة ومكثفة لمراكز القوى في المؤسسات المندمجة وعلى وجه الخصوص مجموعة الأطباء الذين تحركوا من الجامعة الأردنية وبعض أطباء الخدمات الطبية الملكية قبل ليلة من انعقاد جلسة النواب لضمان نصاب الإلغاء، وقد أكدت لي اللجنة التي قابلتني لغايات العمل في مستشفى الجامعة الأردنية عام ١٩٩١ هذا الحراك الذي سبق عقد الجلسة والتي بنت قرارها أيضاً على أسباب واهية وغير علمية ولا ترقى إلى مستوى القبول بها كأسباب حاسمة يعتد بها لإلغاء المؤسسة متناسين المبررات والأسباب الموضوعية وراء إنشائها والتي لا تزال عالقة في ذاكرتي مثل:

• تحسين مستوى الخدمات العلاجية في جميع المستشفيات المندمجة وخصوصاً مستشفيات وزارة الصحة.

• تحقيق العدالة والمساواة في الرواتب والحوافز والأمتيازات بين العاملين في المؤسسات المندمجة.

• رفع مستوى الثقة في مستشفيات القطاع العام وخصوصاً مستشفيات وزارة الصحة.

• إتاحة الخدمات الصحية لجميع المواطنين بالتساوي.

• منع الإزدواجية في النفقات الرأسمالية وضبط النفقات الجارية.

• تطبيق اللامركزية وإعطاء مديري المستشفيات المندمجة صلاحيات إدارية أوسع.

• التخطيط الإستراتيجي المركزي على أسس علمية مدروسة.

• إعادة تنظيم مستويات الرعاية الصحية والتركيز على الخدمات الأولية كمدخل للنظام الصحي وتنظيم العلاقة وتعزيزها مع المستويات العلاجية الأخرى.

إن المبررات والأسباب الموضوعية لإنشاء مثل هذه المؤسسات سواء بهذا الحجم الذي أنشأت فيه المؤسسة الطبية العلاجية أو بأقل منه لا تزال قائمة لغاية الأن كون نفس المشاكل والشكاوى ومظاهر التسيب ومعاناة المواطنين التي سجلتها كاميرا المؤسسة الطبية العلاجية عام 1988 سجلتها كاميرا فريق $ في حزيران الماضي من هذا العام في العديد من مستشفيات وزارة الصحة، كما ذكر تقرير قطاع صحة البلاد الذي يصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي ما تواجهه المستشفيات الحكومية من تحديات ومشاكل مما يؤشر إلى بقاء الأوضاع غير المرضية كما هي في المؤسسات العلاجية التابعة لوزارة الصحة وتبعتها للأسف في يومنا هذا مستشفيات الخدمات الطبية الملكية والمستشفيات الجامعية. وهنا أستغرب من الدعاة القدامى مطالبتهم الجديدة بالتوحيد تحت مظلة وزارة الصحة التي عبر تاريخها لم تستطع أن تستقطب مرضى الدرجات الأولى والخاصة والعليا في مستشفياتها. وفي الختام أقول إن من حق الجيش في تلك الفترة أخذ زمام الأمور لتميز مؤسساته الصحية وشخوصه علمياً وإدارياً وشهرتها العالمية والأقليمية.