لست بصدد مناقشة حبس المدين -مع أو ضد-، فتلك قضية يناقشها القانون بتفصيلاتها للخروج بنتيجة قانونية لا إجحاف فيها، والدعاء موصول للقائمين على النصّ القانوني بأن يعينهم الله ليأخذوا بأيدي الجميع نحو منصة النجاح، للنجاة من منزلق المديونيات ذات الأبعادٍ الخطرة ونتائجها أحلاها مُرٌّ وعلقم.

كما أنني لست ألوم أحدًا على موقف لا يُحسد عليه ساقته الظروف وألجأته إلى الدخول فيه. لكننا اليوم أمام معضلة مجتمعية، صنعناها بأيدينا وسعينا إليها بأرجلنا، ولم نتعلم من غيرنا، يوم هُرِعنا نحو الإنفاق ما في الجيب لشراء ما يلزم وما لا يلزم على حدّ سواء، والتقليد الأعمى لمن هم فوقنا في الرزق والمستوى، مهما كان مستوانا أو مستواهم، ضمن لائحة أطول من رواتبنا مما أغرقنا في بحر الدَّين الذي نبتعد عن شاطئ الأمان كلما أسهبنا فيه.

وحيث إننا نعيش أجواء مشحونة بالتجاذب نحو طرفين أحدهما صاحب دَيْن يريد سدادَ دينه بشتى السبل حتى لو حبس المدين وهو الطرف الثاني الذي يأبى تَقبُّلَ قرارِ الحبس، لأنه يرى أن المُعسرَ ولا يستحق الحبس.

ولأجل ذلك كله ينبغي علينا مناقشة جادة، للسير على الطريق الصحيح بعيدا عن النَفَق المظلم الذي يهدد كيان المجتمع بشقيه: المقتدر من الناس، والمقترُ منهم، على حدّ سواء. وأمام المعضلات المجتمعية العديدة هناك ضرورة مناقشة حبس المدين، بهدوء ورويّة وبنظرة ثاقبة تعطينا أفقًا أوسع في الحلول، ومن هنا يمكننا الوقوف على النقاط الآتية:

أولا: أنّ الدَّيْن لا يُعتبر بأيّ حالٍ من الأحوال حلًّا اقتصاديًّا ولا إداريًّا، إلا في أحوال محدودة جدا، وهي أقل بكثير مما توسع الناس به في هذا الزمان.

ثانيا: جاءت آية الدَّيْن في القرآن الكريم أطول آية، فينبغي على الناس أن يتعلّموا أحكامها، ويتنبهوا لإشارات عديدة منها: أنّ الدّيْنَ قد يطول أمدُ وهمّه وغمّه. ثالثًا: من كان مضطرا للدَّيْن فليكن على نية جادة للسداد والله يعينه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافَها أَتلفَه اللهُ». رواه البخاريّ. فهي من حقوق الناس التي تكفلت بحفظها الشريعة السمحة.

رابعا: الذي يستدين دينًا وهو يعلم أنه لا يمكنه السداد وأنه لا يملك طريقة تؤدي إلى السداد فذلك من أنواع الأكل المال الحرام، والنبيّ صلى الله عليه وسلّم يقول: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لاَ يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلاَلِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ». خامسا: من دايَن الناس فعليه أن يلتمس الأجر والمثوبة في التجاوز عنهم ومسامحتهم حال عسرهم ونظِرة إلى حال يسرهم وللحديث الشريف: «مَن أنظرَ معسرًا أو وضعَ عنه أظلّه الله في ظلّه». ولتعزيز ودوام الثقة بين الناس.

وإننا إذا علمنا أنّ الدَّين والقرض الذي يتسبب في حبس المدين، وأننا أمام أرقام مهولة، فإن ذلك حتما سينتج مدلولاتٍ ومؤشراتٍ على المقياس الاقتصادي والأخلاق، مما يحتاج منا إلى التماس الأجر والمثوبة، ومراعاة القانون، وتحكيم العقل والضمير، في الأخذ والعطاء وفي الاستدانة والأداء. لنقلل من أعباءٍ أثقلت كواهلنا، ونتمكن من بناء مستقبل أوطاننا.

agaweed2007@yahoo.com