القدس المحتلة - الرأي

- الصراع «العلماني - الديني» يتصاعد في دولة الاحتلال

يتبين من التحليلات المنشورة في الصحف الإسرائيلية امس، أن القيادة الإسرائيلية، وبضمنها قيادة الجيش الإسرائيلي، أهملت، من وجهة النظر الإسرائيلية، الشبان «الحريديين-المتدينين»، وكأنها استسلمت لفكرة أنهم ليسوا جزءا من المجتمع الإسرائيلي، في ظل الصراع العلماني – الديني، بعد الكشف، الاربعاء، عن تزوير الجيش لمعطيات تجنيد «الحريديين».

وقال تقرير نشرته الإذاعة العامة الإسرائيلية «كان» إن الجيش الإسرائيلي زوّر طوال سنوات معطيات حول عدد الحريديين الذي تجندوا للخدمة العسكرية، بهدف إظهار أنه تم استيفاء غايات التجنيد.

ووفقا للتقرير، فإن الجيش الإسرائيلي كذب على مدار فترة طويلة، من خلال تقارير بهذا الخصوص قدمها إلى لجنة الخارجية والأمن في الكنيست ووزراء الأمن، وحتى تلك التي قُدمت إلى رئيس أركان الجيش.

ووفقا للتقرير، فإن تقارير الجيش، في العام 2017، تحدثت عن تجنّد 3070 جريديا، بينما كان عددهم الحقيقي 1300.

وأضاف الجيش إلى قوائم المجندين الحريديين (مجندين متدينين غير حريديين ومجندين غير متدينين). وادعى الجيش في تعقيبه على التقرير أنه «اكتشف مؤخرا خطأ في الجيش الإسرائيلي إزاء عدد الجنود الحريديين -المتدينين في السنوات الأخيرة».

وأشار المراسل العسكري في صحيفة «معاريف»، طال ليف رام، إلى أن «خطأ كهذا لا يمكن أن ينجح كتفسير لتشويه معطيات تجنيد الحريديين طوال قرابة ثماني سنوات. والجيش الإسرائيلي، كونه جيش الشعب، يتحمل مسؤولية أن يعكس للمجتمع الإسرائيلي، بشكل مستقيم ودقيق، معطيات التجنيد فيه.. وعمليا، الجيش استعرض صورة مضللة، يصعب جدا استيضاحها الآن».

وأضاف ليف رام أنه «يوجد ادعاء في مركز الخطاب، حتى الآن، مفاده أنه يوجد تغيير. أي أنه توجد تيارات داخل المجتمع الحريدي تقود إلى تحولات، بينها تزايد عدد الشبان الذين يتجندون للجيش، ولذلك ينبغي الحذر من ممارسة ضغوط على المجتمع الحريدي من خلال عقوبات وخطوات شديدة أخرى، لتحقيق الهدف المعاكس وتسبب أزمة شديدة».

يشار إلى أن تعريف الجيش الإسرائيلي للحريدي هو أن يكون الشاب قد درس سنتين في مؤسسة توراتية – حريدية عندما كان سنّه 14 - 18 عاما. ووفقا لليف رام، فإن الجيش حدد مقاييس دقيقة لتعريف الحريدي، ولا تسمح بترجيح للرأي.

وأضاف أن هذه ليست المرة الأولى التي يجمع فيها الجيش معطيات ويتم استعراضها بشكل عديم المسؤولية، واكتشف مؤخرا فرقا في المعطيات المتعلقة بالمجندات المتدينات.

ولفت ليف رام إلى أن «الجيش الإسرائيلي لا يمكنه تفسير الخطأ الخطير، والإشارة (تحميل المسؤولية) إلى الدائرة التي اعتنت بموضوع تجنيد الحريديين. أين هيئات مراقبة هذا الموضوع، من شعبة القوى البشرية وحتى هيئة الأركان العامة، التي يقترض أن تنشغل بالمراقبة الداخلية؟ فطوال ثماني سنوات، امتثل ضباط الجيش الإسرائيلي في مداولات في لجان الكنيست المختلفة واستعرضوا معطيات بعيدة عن الواقع، رغم أن صحافيين وممثلي جمهور طرحوا أكثر من مرة تحفظات وتساؤلات إزاء هذه المعطيات. وكان يفترض بذلك، على الأقل، أن يثير في الجيش الإسرائيلي حاجة إلى مراقبة المعطيات التي استعرضت بشكل رسمي في الكنييست».

وأشار إلى «خطأ خطير آخر ارتكبه الجيش في هذا الحدث، ويتعلق بأنه منذ أن أدركوا الفجوة في المعطيات، لم يبادروا إلى التبليغ عنه. والآن سيصبح أصعب الإقناع بمعطيات أخرى».

ووصف المحلل العسكري في صحيفة «اسرائيل اليوم»، يوءاف ليمور، الجيش الإسرائيلي بأنه «بقرة مقدسة في المجتمع الإسرائيلي»، وأنه وفق كافة المؤشرات والاستطلاعات «يحظى بثقة هائلة، وأعلى بكثير من أي مؤسسة رسمية أخرى في إسرائيل. وهذه الثقة هي الكنز الأكبر لدى الجيش. ومن دونها لا شيء بحوزة الجيش الإسرائيلي».

وأردف أنه «لذلك، الكشف عن تضليل متعمد في معطيات تجنيد الحريديين ليس أقل من هزة».

وأضاف أنه «بما أن هذه القصة مستمرة منذ عدة سنوات، فإنه ينبغي التساؤل أين كانت كافة جهات المراقبة، في الجيش الإسرائيلي ووزارة الأمن، وكذلك مراقب الدولة ولجنة الخارجية والأمن في الكنيست، وهي هيئات ينبغي أن تفتح أعينها والتيقن، ولكنها سهت أثناء الحراسة».

واعتبر ليمور أن قضية معطيات الجيش المزورة تكتسب أهمية أكبر لأنها متعلقة بتجنيد الحريديين، «ويجدر قول الحقيقة أيضا: الحريديون لا يسهمون بالمجهود القومي. وغالبيتهم لا يخدمون في الجيش، ولا ينفذون خدمة قومية. وفي دولة ما زالت تحارب على وجودها، هذا خطأ يستصرخ التصحيح. وإذا تجند الحريديون، فإن هذا سيمنع أزمات ائتلافية وتضليل في المعطيات».

وأشار الصحافي في صحيفة «هآرتس»، أنشيل فيفر، إلى أن الحريديين الأوائل تجندوا للجيش الإسرائيلي قبل 20 عاما، وجرى حينها تشكيل سرية ثم تحولت إلى كتيبة بعد ازدياد عددهم. واضاف أنه «مثل أي أمر عسكري يوجهه المستوى السياسي للجيش الإسرائيلي، تعامل الضباط مع إقامة مسارات خاصة للحريديين كأنها (مهمة قومية)، وكان هناك من كبتوا غضبهم ولكن نفذوا الأمر. وقد سهل على الجيش حقيقة أن التكلفة الإضافية لتجنيد الحريديين مولتها وزارة المالية خارج ميزانية الأمن».

ووفقا لفيفر، فإن «الجيش الإسرائيلي يعرف كيفية إقامة سرايا وكتائب، ولكن أن يخترع جنودا حريديين لتعبئة صفوفه، فهذا يتعدى قدراته». وكان ضباط الجيش يبحثون عن مجندين في أحياء الحريديين بين طلاب معاهد دينية تسربوا منها، وبين «شبيبة التلال» في المستوطنات. «وبذلك تم توسيع تعريف من هو الحريدي. ومن هنا أصبحت الطريق قصيرة لتضخيم وتزوير أعداد المجندين الحريديين من أجل استيفاء الغايات وتعبئة الحصص».

وشدد فيفر على أن عدد الجنود الحريديين القليل والحقيقي، الذي تم كشفه، «كانت معروفة للكثيرين في المؤسسة العسكرية والعالم الحريدي». لكن فيفر لفت إلى أن «الاعتقاد الذي بموجبه تجنيد شبان متدينين للجيش الإسرائيلي، باسم قيمة المساواة في العبء، هو مفتاح دمج الحريديين في المجتمع الإسرائيلي، خاطئ من أساسه. فالمساواة في العبء لم يتحقق أبدا ولا يمكن أن يتحقق في جيش يوجد فيه من يخدم لثلاث سنوات ميدانيا ومن خلال المخاطرة بحياتهم، ويوجد فيه من يقضون فيه سنوات بخدمة أكثر أو أقل أهمية، في قاعدة عسكرية مريحة ومحمية».

وشدد فيفر على أن «المفهوم الصهيوني-الرومانسي بأن الخدمة في الجيش الإسرائيلي هي بوابة الدخول إلى المجتمع الإسرائيلي يتجاهل أن الكثيرين من أولاد الدولة يمرون حتى سن التجنيد في أطر تربوية، بتمويل الدولة، ولا تجهزهم بالشكل المناسب لمواجهة الحياة. وهذه الأطر، لدى الحريديين، لا تعلم المواضيع الأساسية المطلوبة لوجود مستقل في سوق العمل العصري».