أبواب - غدير سالم

في حياة كل منا شخص يجعلنا نسعى إلى إرضائه بشتى الطرق، إما حبا له، أو لرغبتنا في الحفاظ على علاقتنا به، أو استجابة لضغوط يمارسها علينا لنفعل ما يريده، قد يكون هذا الشخص زوجا، أو أما، أو أبنا، وقد تختلف أساليب الضغط، ولكنها تندرج جميعها تحت مسمى واحد هو «الابتزاز العاطفي».

التقنية المعتادة التي يستخدمها هؤلاء الناس، هي ما توصف بكلمة «Fog » وتعني الضباب بالعربية، هذا الوصف الخاص بالابتزاز العاطفي أطلقته العالمة النفسية الأميركية سوزان فورود، وهي صاحبة كتاب يحمل الاسم ذاته، إلا أن مختصر كلمة «فوغ» هنا لا يعني الضباب بل شيئا آخر: «الخوف، الالتزام، الذنب»، وهي مشاعر يحاول الشخص المبتز إثارتها فينا، «الشعور بالخوف من أننا لن نتوافق معه، والشعور بالالتزام لتنفيذ مطالبه، والشعور بالذنب من أننا لن نتمكن من تحقيق ذلك».

وتعرّف المتخصصة في مجال الإرشاد النفسي مها الطاهات الابتزاز العاطفي أنه: «أحد أشكال التلاعب النفسي القوي، حيث يقوم من خلاله المبتز بتهديد الضحية الذي تربطه بها صلة قوية، وذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، حيث يهددها بالعقاب إذا لم يحصل على ما يرغب به، ويكون المبتز على علم بنقاط الضعف عند ضحيته، ويعلم أدق أسرارها نظرا لقربه منها».

وتضيف: الأشخاص الذين يلجأون للابتزاز العاطفي هم من أقرب الأشخاص للضحية، ويعلمون أسرارها، ونقاط ضعفها، واحتياجها للحب، فيستغل المبتز هذا الوضع لينال مطالبه تحت ضغط الابتزاز وشعور الضحيه بالذنب.

وتبين:«هناك أربعة طرق من الابتزاز يتميز كل منها بأسلوب تلاعب عقلي خاص، كالعقاب وشعاره» أنا، وليكن من بعدي الطوفان، وبصرف النظر عما تشعر به أو تحتاجه يتجاهله المعاقب، وهناك العقاب الذاتي، إذ يلعب الذين يقومون بالعقاب الذاتي دور الناضج البالغ الوحيد في العلاقة».

وترى الطاهات أنه:«لا بد من التعرف على شخصية المبتز لحماية الشخص من الإبتزاز العاطفي، فهناك أشخاص يتمتعون بصفات معينة، كأن يطلب شخص ما من فتاة القيام بفعل شيء من أجله، ثم المقاومة عندما تظهر الفتاة قلقها بشأن هذا الطلب، ومن بعدها الضغط عندما يُضيّق عليها هذا الشخص الخناق ويحصرها في زاوية ضيقة، ثم التهديد عندما يقول هذا الشخص إن عدم قيامك بما أريد له عواقب وخيمة، ومن ثم الإذعان أي الإستسلام والقيام بما يريده ذلك الشخص،ثم التكرار عندما تبدأ هذه الدورة الجنونية مرة أخرى».

وتلفت إلى أنه: «تتيح لك معرفة هذه المراحل، وفهمها أخذ الحذر والحيطة، قبل أن يسيطر عليك المبتز ويستغلك، عدا عن تعزيز الثقه عند الشخص، وأن لا يلبي طلبات المبتز».

وتشير الطاهات إلى أمثلة من الابتزاز العاطفي: «كأن يقول أخ لأخته أنها يمكن أن تسيء إليه إذا تصرفت بشكل ما، أو أن تقول امرأة لزوجها أو إبنها أنها لن تنام حتى يعود من سهرته، أو أن يقول صديق لصديقه أنه كان يعتمد عليه فخذله وسبب له الفشل، في هذه الحالات نجد شخصاً يحاول تحميل الآخر مسؤولية إضافية مثل انزعاج الأخ من حرية أخته، أو قرار الأم بالسهر حتى يعود ولدها».

ويقول استشاري العلاج النفسي الدكتور

عبد الله الرعود: «الابتزاز العاطفي شكل من أشكال الاستغلال العاطفي يكون بين شخصين في الغالب إما الزوج لزوجته، أو الزوجة لزوجها، أو الطفل لأمه، أو بين أرباب العمل والمسؤولين، فأصحاب العمل قد يستغلون الأشخاص الذين يعملون لديهم حتى يصبح الشخص المرؤوس كالعبد أمام مسؤول يستغله في الترقية وأوقات الدوام والعلاوات السنوية».

ويبين أن: «الاستغلال يكون على أشكال مختلفة، فالطفل مثلاً قد يستخدم أسلوب جلب الاهتمام لأنه يعاني من قلة الاهتمام العاطفي والإنفعالي، كالاهتمام بشخصيته النفسية، فيحاول فعل سلوكيات حتى يجلب إنتباه الوالدين، خاصة إذا كان الأهل منشغلين بأشياء أخرى، ولا يعيرونه اهتماما مناسبا وكافيا، وهذه الأساليب فيها نوع من الابتزاز أو الاستغلال كأن يلقي نفسه أمام الأم، ويشعرها بأنه مريض ومتعب مستغلا عطفها».

ويرى الرعود أن: «الابتزاز والاستغلال يكون على أشكال مختلفة منها الابتزاز العاطفي عندما تكون الأم لديها عاطفة كبيرة جداً، ولدى الطفل المستغل ذكاء عال جداً، فيحاول أن يستغل هذا العطف والحب الزائد في الابتزاز، وهناك ابتزاز مادي وإلكتروني وابتزاز اجتماعي».

ويضيف أن: «الأشكال التي يلجأ لها الشخص للحصول على أشياء متنوعة ومختلفة، وربما يكون لديه نقص فيها، وقد يعرف نقاط ضعف عند الضحية، لذلك يلجأ إلى استغلال هذه النقاط ليحصل على ما يريد، أو يستخدمها كأسلوب من أساليب التهديد عن طريق الانتحار أو اللجوء إلى سلوكيات غير مناسبة كإدمان المخدرات، أو التعامل مع رفاق السوء، لذلك يضطر الأشخاص الذين لديهم عاطفة كبيرة جداً إلى الرضوخ وتلبية متطلبات الشخص المبتز أو الاستغلالي».

ويبين الرعود أن: «كلمة الابتزاز كلمة نابية سيئة غير محببة للنفس البشرية، وهناك أيضا أنواع من الشخصيات تلجأ للابتزاز كالشخصية النرجسية الأنانية التي تبتز للحصول على أشياء مختلفة، والشخصية الحدية والضد اجتماعية من الممكن أن تستغل أشخاصا في بعض القضايا والمواقف، وأحيانا تلجأ الشخصية الطبيعية القنوعة الضعيفة إلى أساليب ملتوية لعدم حصولها على ما يكفيها من تقدير ومن عاطفة واحترام ».

ويقول الرعود: «يمكن استخدام العلاجات الدوائية في حالات نادرة جداً لعلاج الشخص ضحية الابتزاز في الحالات الشديدة، وفي الغالب أكثر شيء مفيد هو استخدام الطرق العلاجية النفسية بتعديل السلوك وجوانب الشخصية، والعلاج النفسي العائلي واستخدام الحزم من قبل المقربين للضحية، واستخدام التفكير العقلاني في التعامل مع الأشخاص المبتزين ».