تتلبَّد الأجواء العربية الراهِنة بمزيد من الفوضى والاحتقان, المحمول على غضب شعبي متصاعد وسط حال من الإفلاس السياسي والأخلاقي وخصوصاً الاقتصادي, على نحو باتت فيه معظم دول «الجامعة العربية» مُرشَّحة للإنضمام الى نادي الدول الفاشلة، الأمر الذي يُفسح المجال لدول وتنظيمات ومنظمات عربية وخصوصاً أنظمة مُتربصة إقليمية وعبر المحيطات للتسلّل إلى الفضاءات العربية, ونشر مفاهيم وثقافات تَغرِف من معين اليأس والإحباط اللذيْن يفرضان نفسيهما على قطاعات عريضة وواسعة من الجمهور العربي, وتبرز في هذا الاتجاه الخطير مجموعات وأفراد أخذوا على عاتقهم مُهمة الترويج للتطبيع مع دولة العدو الصهيوني, يحدوهم الأمل بأن يحظوا ببعض الأُعطيات المالية والبروز الإعلامي عبر دعمهم لاصدار صحف ومحطات تلفزيونية ومنصات تواصل اجتماعي ومكانة أكاديمية ومواقع إلكترونية تسهم ضمن أمور أخرى في غسل أدمغة الشباب العربي. الذي وإن كان «كفر» بقدرة معظم الأنظمة العربيّة على تلبية حاجاته وطموحاته إلاّ أنه -في معظمه- ما يزال يرى في الدولة الاستيطانية العنصرية عدو أُمته الأول لأن الصراع الطويل معها يجب أن يُحسم وليس ثمّة فرصة للتعايش معه أو عقد سلام موهوم إلاّ باختفاء (وليس هزيمة) أحد طرفي الصراع نحن أو هُم.

للمرء التدقيق جيداً في يوميات «المُطبعين» وهجمتهم الأخيرة التي وإن توقف نتنياهو عن الترويج لها وتبشيرنا بمزيد من الدول العربية التي باتت جاهزة للتطبيع مع كيانه الغاصب، لأسباب تتعلق بالأزمة السياسية والشخصية التي يواجِهها بعد توجيه الاتهام رسمياً له بالرشوة والاحتيال وسوء الأمانة، فإن الرهط الاحتياطي الذي عملت الدوائر الصهيواميركية وبعض العربية على الاستثمار فيه وتشجيعه بطرق عدديدة للترويج لثقافة «السلام» الموهوم مع إسرائيل, وخصوصاً تخويفنا بقدرات إسرائيل العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية الخارقة وغير القابلة للهزيمة أو الإنكسار، بدأوا هجمة شرسة ومُنسَّقة للإيحاء بأن قطار التطبيع انطلق ولا قدرة لأحد على وقفه, بعد أن «اصطفّت» دول عربية يدّعون انها «وازنة ومؤثرة» (وهي بالمناسبة ليست كذلك مهما قيل في نفخِها) لمهادنة إسرائيل والتحالف معها.

آخر تجليّات الهجمة ما جاء على لسان وزير خارجية ما يُسمّى الحكومة المؤقتة في ليبيا (جناح حفتر) الذي جاء فيه -وفق صحيفة معاريف الصهيونية- انه (عبدالهادي الحويج) «يأمَل» في إقامة علاقات مع إسرائيل، ورغم نفي «الوزارة» هذا النبأ واتهامها حكومة فايز السرّاج إلاَّ أنه وكما دائماً يُقال لا دخان بدون نار، وكان أتى قبل ذلك ومن دولة جارة لليبيا المُمَّزقة تصريح أكثر خطورة من وزير السياحة «اليهودي التونسي» - روني الطرابلسي, لا يزعم فقط أنَّ 90% من «حجيج» اليهود القادمين من إسرائيل هم من أصول تونسيّة، بل أضاف على ذلك أن من «حقِّهِم» العودة إلى بلدهم والحصول على جوازات سفر تونسيّة لتسهيل دخولهم. علينا تذكّر أيضاً ما نشرته قبل أسبوعين صحيفة نيويورك تايمز تحدثت فيه عن محاولات «المجموعة» الدفع باتجاه التعاون نظرياّ مع إسرائيل ومساعدة مجتمعاتهم, مُضيفة.. أن المجموعة مُكونة من صحافيين عرب وسياسيين ودبلوماسيين وباحثين في «القرآن الكريم» ممن يشتركون بالنظرة, التي ترى أن محاولات عزل وشيطنة إسرائيل كلّفت الشعوب العربية مليارات الدولارات «في التجارة».

kharroub@jpf.com.jo