أبواب - وليد سليمان

صباحاً ومنذ شهرٍ تقريباً ونحن نتجاذب أطراف الحديث مع الأب الروحي للمثقفين والقراء في «كشك الثقافة العربية» بعمان لصاحبه «حسن أبو علي».. فجأة يطل علينا «عبد الرؤوف الروابدة» رئيس الوزراء السابق, بقامته المهيبة وروحه المرحة.. مصافحاً ثم يجلس على أحد كراسي أبي علي المتواضعة مدة تتراوح ما بين 10-15 دقيقة بين الترحيب والأحاديث الشعبية الشيقة.. وقد تخلل هذه الزيارة السريعة لكشك أبي علي بعض التحيات والسلامات السريعة من بعض المارة, حتى ان فتاةً في مقتبل العمر طلبت من أمها ان تصورها بالخلوي مع الروابدة؛ وهذا ما كان.

وكشك كتب حسن أبي علي بوسط شارع الملك فيصل في العاصمة عمان يُعدُّ مَعلماً حضارياً وسياحياً أردنياً.. فما من مثقف أو سياسي أو أديب أو فنان إلا وتعامل مع كتب وصحف وصداقة أبي علي شخصياً.

ذلك أنَّ أبا علي يتميز بحسٍ ثقافي حيث يعرف جيداً ما هي الكتب القيمة والهامة والمفيدة لزبائنه من كل فئات المجتمع.. عدا عن أن لأبي علي حضوراً وكاريزما محببة بقسمات وجههِ وترحيبهِ وأحاديثه الجذابة القريبة من القلب والروح.

من عناصر الثقافة الأردنية

ومن أجل هذا فلا نستغرب لِمئات المقالات واللقاءات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي سبق أن أُجريت معه!! كذلك دخول اسمه وشخصيته في عشرات الروايات والقصص والقصائد الأردنية والعربية لشخصيته العمَّانية المميزة.

ففي منتصف السبعينيات تم انتقال بسطة أبي علي من دخلة ماضي القريبة من سوق الذهب إلى كشكه المعروف الآن بجانب مبنى البنك العربي.

شخصيات مؤثرة

وبدأ أبوعلي مشواراً تكميلياً لما سبق من مسيرته الثقافية، مع عالم الصحف والكتب والتواصل مع مثقفي الأردن والعالم العربي كذلك, والذين منهم أصبحوا أصدقاء حميمين له مثل: الشاعرة فدوى طوقان, عبد الوهاب البياتي, سميح القاسم, والمفكر الخليجي محمد المسفر.. والكثير من أدباء وشعراء وكتاب وصحافيي وسياسيي الأردن من وزراء ورؤساء وزراء.

وفي السنوات الأخيرة زاد الاهتمام بكشك الثقافة العربية من حيث تنوع الكتب المعروضة، التي يعرف أبو علي أهميتها وحداثتها على الساحة العالمية والعربية والأردنية.. لذا كان من الأوائل الذين أحضروا أهم الكتب والروايات العالمية والعربية الحديثة لعرضها وبيعها للقراء الأردنيين والعرب هنا في عمان.

مؤلفون عرب وأجانب

وقد اهتم أبو علي بإحضار كتب ماركيز وأهمها مثلاً رواية مائة عام من العزلة, وكتب وروايات ابراهيم الكوني, وأمين معلوف, وجورج أمادو, وكارلوس فونتس, وجورجي بورخيس, وايزابيل الليندي, وسارا ماجو, وامبرتو إيكو, وأورهان باموق, أحلام مستغانمي, سميحة خريس, وزياد قاسم, وابراهيم نصر الله, وجمال ناجي, وإلياس فركوح, مؤنس الرزاز, هاشم غرايبة, هزاع البراري, وبسمة النسور وغيرهم الكثير.

ويحوي كشكه أيضاً كتب أخرى في الفكر والأديان والسياسة، ومذكرات كبار شخصيات العالم العربي والأجنبي, ومؤلفات دين براون والكتب التي تتحدث عن العدو الصهيوني وشخصياتهم الشهيرة منذ القديم, وكتب الساسة الأردنيين والعراقيين والفلسطينيين وغيرهم.

وهل ما زالت الكتب تحتفظ بمكانتها لدى القراء؟! وهل قل أو زاد الاقبال عليها؟!.

كان جواب أبي علي: اعتقد ان الاقبال زاد اكثر من الاول رغم مزاحمة وسائل الاعلام من تلفاز وفضائيات وانترنت ووسائل إعلام أخرى مثل انتشار الاذاعات ووسائل الترفيه الشبابية الأخرى.. فالناس يتكاثرون والمجلات والكتب والجرائد اليومية والأسبوعية تتكاثر سنة بعد سنة.. كذلك لدى العديد من القراء عشق جارف للمطبوعات الورقية التي يلمسونها بأياديهم.. رغم أنَّ هناك من صار يعتمد في بعض قراءاته واطلاعه الثقافي على شبكة الانترنت والتي ربما تعطي معلومات كثيرة وفي مراتٍ غير دقيقة.

وحول ذلك تابع حسن ابو علي المثقف وصديق العمانيين وحارس ذاكرة الثقافة الاردنية والعربية والعالمية بقوله: إنني مؤمن كثيراً وبعمق بأهمية النهضة الثقافية والفكرية والديمقراطية والتقدم.. ولا يكون ذلك إلا من خلال الاطلاع الدائم على الكتب المهمة في السياسة والرواية والفكر والتاريخ والمذكرات الشخصية والتراث العربي, وعلى تجارب الأمم والشعوب والآداب العربية والعالمية.

وأشار أبو علي أيضاً حول أهمية ثقافة الكتاب والصحافة: انها طريقنا نحو التقدم والرقي والتحضر, لأن الثقافة هي روح الأمة وجوهرها, والتي من خلالها يمكن لنا أن نحترم ونقدر ذاتنا والآخرين في هذا العالم المتعدد والمتنوع مع احترام الحرية لنا ولهم.

مجلات ثقافية

وعن سؤالنا حول المجلات الثقافية العربية الشهيرة وهل ما زالت تصدر ولها قراؤها أوضح ابو علي:

نعم ما زالت المجلات الشهيرة وبالذات تلك التي تقدم وجبة ثقافية أدبية وفنية متنوعة مثل المجلات العريقة: (العربي) الكويتية. و(الهلال) المصرية, و(عالم المعرفة) وهي سلسلة من الكتب الشهرية.. إنها مجلات زهيدة الثمن ومدعومة من الحكومات الكويتية والمصرية.. فكلما كان سعر المجلة زهيداً كلما كانت في متناول أيدي وعقول الجميع.

عمان في ذاكرة الكتب

وحول الكتب التي صدرت منذ سنوات قليلة حول «ذكريات عمان» حيث يسرد مؤلفوها سير حياتهم وذكرياتهم القديمة عن مدينة عمان من خلال الناس والحكايات والمجتمع وعبق الحنين للماضي الجميل, يقول أبو علي:

لقد أعطت هذه الكتب حق عمان من التكريم والتأريخ والمحبة.. وفي رأيي أنه يجب على كل أديب ومثقف وطالب جامعي وتوجيهي ان يعرف بلده جيداً وعاصمته بالذات, لذا أرى أنه من الواجب ان تُقرر بعض كتب الذكريات هذه على طلاب التوجيهي والجامعات لمعرفة ذاكرة عمان القديمة أيام زمان من: جبال وشوارع وأماكن وقصص وأحداث وأسواق ومهن وشخصيات عاشت هنا.

ومن هذه الكتب التي تحدث عنها ابو علي وتحكي عن ذاكرة عمان الشعبية مثلاً مؤلفات:

د.عبدالله رشيد, وأرسلان رمضان, وسليم قونة, وعبد الرحمن منيف, وهيفاء البشير, وزيد حمزة, وزياد قاسم, ود. عايدة النجار, ومحمد أمين فؤاد البخاري, ود. موفق كاتبي, وغالب ابو صالحة, وعلي الصفدي,وهاني الدحلة, وموفق جبري, وعمر العرموطي, وعدنان ابو عودة... وغيرهم الكثير.

واذا كانت عمان وسط البلد هذا المكان الشعبي الأثير على القلوب مُشادة من عدة أعمدة تاريخية وتراثية.. فمن أعمدة هذا الوسط هو كشك الثقافة العربية.. هذا المحج الثقافي الذي لا بد من الزائرين والمغتربين والسواح من زيارته كما المدرج الروماني مثلاً.

وكثيرون من المثقفين ومن وزرائنا وساستنا ومبدعينا من يعترف بشوق وحب قائلين: لقد تربينا على كتب «أبو علي» ولا ننسى ذلك أبداً!.

لذا ما زال كشك كتبه مكاناً لزيارة كل فئات المجتمع يستقبلهم ابو علي هذا الرجل البسيط والذكي والكريم النفس واللسان المبتسم دائما, فهو ملمح هام من ملامح الحنان في عمان.

أجمل ذكريات أبي علي

ومن أجمل ذكريات ابي علي قلبه هو نيله للمرة الثانية تقديراً رائعاً من جلالة الملك عبدالله الثاني, وكان عبارة عن وسام الاستقلال من الدرجة الرابعة عام 2007، وكان قبل ذلك قد نال من يدي جلالته في العام 2002 الميدالية الفضية من الدرجة الثانية وهي احدى جوائز الدولة التقديرية الاردنية, ثم زيارة جلالة الملكة رانيا العبدالله الى كشكه في العام 2008.

كتب عالمية بطبعات جديدة

وفي نظرة شاملة على كتب كشك «ابو علي» شاهدنا العديد من الكتب القديمة والتي تم نشرها في طبعات حديثة كثيرة ومتعددة, ذلك ان هذه الكتب رغم قدمها ما زال لها قراؤها وما زالت هذه الكتب هامة جداً ومنها مثلاً:

معظم روايات نجيب محفوظ, وجبران خليل جبران, جيفارا, ميكافلي- الامير, هذا هو الانسان–نيتشه, بروتوكولات حكماء صهيون, روايات عبدالرحمن منيف, أحجار على رقعة الشطرنج, روايات تولستوي, روايات فيكتور هيجو, مسرحيات شكسبير, دواوين محمود درويش, ومظفر النواب,وكتب مصطفي محمود، وكتب الشعراوي كتب أخرى حول هتلر, والاسكندر الاكبر, وروبنسون كروزو.

كذلك لمن يهوى قراءة كتب المغامرات فهناك لديه كتب أرسين لوبين وكتب أجاثا كريستي, حتى كتب الأطفال فلها قراؤها من الصغار.

اما الكتب السياسية والشخصيات العالمية والقادة والمفكرين فقد صدر حديثاً عنها ومنذ سنوات قليلة كتب وسير حياة لكل من: الملك الحسين, الملك عبدالله الثاني, عبد الباري عطوان, رجب طيب اردوغان, صدام حسين, ماوتسي تونغ, كاسترو, ابو عمار, الملك فاروق.. الخ.

وهناك أيضاً العديد من الكتب التي تتحدث عن الأساطير والاديان والفنون والسياسة الفكر والفلسفة والخفايا والاسرار... وغير ذلك الكثير من الكتب الأخرى المشوقة.. التي يقف المارة من الناس أمامها وهم يلاحظون أغلفتها الجميلة وعناوينها المثيرة وأسماء مؤلفيها العرب والأجانب.. وكأنهم أمام مهرجان فريد من الكتب المدهشة والتي تقول

للناس هيا تعالوا واقرأوني.