«مصارع العشاق» هو من تأليف «جعفر بن احمد السَّراج» الفقيه والشاعر واللغوي، ولد في بغداد عام 1026 ميلادية، وهذا الكتاب من اشهر كتبه في التراث العربي.

قام بآخر تحقيق لهذا الكتاب الدكتورة بسمة أحمد الدجاني عام 1999، وقد قامت وزارة الثقافة الأردنية في عمان بنشره في العام 2019 بجزءين وبلغت عدد صفحاته 750 صفحة.

ومن بعض ما جاء في هذا الكتاب الضخم ما يلي:

أنبأنا أبو علي بن وشاح الكاتب قال: أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا، حدَّثنا علي بن سليمان الأخفش فقال: إنِّي وابن عباس بفناء الكعبة وهو في جماعة، فإذا بفِتيان يحملون بينهم فتًى حتى وضعوه بين يدَي ابن عباس، فقالوا: استشفِ له! فكشفوا عنه، فإذا وجهٌ حُلْوٌ، وعُودٌ صلِيبٌ، وجسمٌ ناحِلٌ، فقال له: ما يؤلُمك؟ فقال:

بنا من جَوَى الأحزان والحبِّ لوعةٌ

تكاد لها نفسُ الشقيق تذوبُ

ولكنَّما أبقى حُشاشَةَ ما ترى

على ما ترى عُودٌ هُناك صَلِيبُ.

فقال ابن عباس: أرأيتم وجهًا أعتق أو عودًا أصلب أو منطِقًا أفصح من هذا؟! قتيل الحب، لاعقلٌ ولا قَوَد! فما سمعنا ابن عباس دعا بشيءٍ إلى أن أمسى إلا بالعافية مما أصاب الفتى.

وأنبأنا ابن وشاح، أخبرنا القاضي المعافى بن زكريا، قال: حدَّثنا أبو طالب الكاتب علي بن محمد بن الجهم، قال: حدَّثنا عمر ابن شبة، قال: حدثني أبو يحيى، قال: أنشدت عبد الملك بن عبد العزيز:

ولما رأيتُ البَيْنَ منها فجاءةً

وأهوَنُ للمَكروهِ أن يُتوقَّعا

ولم يبقَ إلا أن يُوَدِّعَ ظاعِنٌ

مُقيمًا، وتذري عَبرةً أو تُوَدِّعا

نظرتُ إليها نظرةً فرأيتها

وقد أبرزتْ من جانب السجفِ إصبعا.

قال أبو يحيى: فقلت له: قالها رجل من بني قشير. فقال: أحسَنَ والله. فقلت: أنا قُلتُها في طريقي إليك. قال: قد والله عرفتُ فيها الضعف حين أنشدتني.

قال أبو الفرج الببغاء: وقد كان القاضي أبو القاسم التَّنُوخِي أنشدنا جميع شعره أو أكثره، ولا أعلم هذه القطعة فيما أنشدنا أهي له أم لا، وهي:

يا سادتي هذه روحي تودِّعُكُم

إذ كان لا الصبرُ يُسليها ولا الجَزَعُ

قد كُنتُ أطمَعُ في رُوح الحياة لها

فالآن مُذ غِبتُمُ لم يبقَ لي طَمَعُ

لا عذَّب الله رُوحي بالحياة فما

أظنُّها بعدكُم بالعيش تنتفعُ.

وأخبرنا الخطيب، قال: أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي بنيسابور، قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار الأصبهاني، قال: سمعتُ علي بن عثام يقول: سمعتُ الأصمعي يقول: مررتُ بالبادية على رأس بئر، وإذا على رأسه جَوارٍ، وإذا واحدة فيهن كأنها البدر، فوقع عليَّ الرعدةٌ، وقلت لها:

يا أحسَن الناسِ إنسانًا وأملَحَهُم

هل باشتكائي إليكَ اليوم من باسِ

فبيِّني لي بقولٍ غير ذي خُلُفٍ

أبالصريمة يمضي عنكِ أم ياسِ.

قال: فرفعت رأسَها وقالت لي: اخسأ. فوقع في قلبي مثل جمر الغضا، وانصرفتُ عنها وأنا حزين. قال: ثمَّ رجعت إلى رأس البئر، فإذا هي على رأس البئر، فقالت:

هلمَّ نَمحُ الذي آذاكِ أوَّلُهُ

ونُحدِثِ الآن إقبالًا من الرَّاسِ

حتى يكونَ ثَبيرًا في مودتنا

مثل الذي يَحتذي نعلًا بمقياسِ.

فانطلقت معها إلى أبيها، فتزوجتُها.

وأنشدنا أحمد بن الحسين الواعظ، قال: أنشدنا أبو الفرج الورثاني الصوفي، قال: أنشدني محمد بن عبدالعزيز الصوفي, وقال: أنشدني أبو علي الروذباري:

أُنزِّه في روضِ المحاسِنِ مُقلَتي

وأمنعُ نفسي أن تنال المُحرَّما

وأحمِلُ من ثِقلِ الهوى ما لو أنه

على الجامِدِ الصُّلبِ الأصمِّ تهدَّما

ويَظهَرُ سِرِّي عن مُترجَمِ خاطري

فلولا اختِلاسُ الطرفِ عنه تكلَّما

رأيتُ الهوى دعوى من الناس كُلِّهم

فما إن أرى حُبًّا صحيحًا مُسلَّما.

وأنشدنا الخطيب، قال: أنشدنا أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب الدسكري بحلوان للروذباري:

ولو مضى الكُل مني لم يكن عجبًا

وإنما عجبي للبعض كيف بَقي

أدرِك بقية رُوحٍ فيك قد تَلِفَت

قبل الفِراق، فهذا آخر الرمقِ.