... غادر الباشا مصطفى القيسي الحياة، وأظن أني عرفته جيدا بعد تقاعده.. في منتصف التسعينيات، هؤلاء حينما يغادرون الحياة، عليك أن تعرف أن المشهد لم يعد يتسع لحضورهم الطاغي، وأن إيقاعات المشهد صارت خافتة جدا... أمام ضربات قلوبهم.

كنا نجلس في حضرته، ونستمع.. لزمن الصراعات غير المعلنة، ونصمت.. لهول ما نسمع، ونحترم في لحظة من جعلوا مسيرة (40) عاما في العمل الأمني ملفا مغلقا، واحترموا الخطر والمسدس.. واحترموا الوطن.. والمعلومة، وصانوا مقدرات شعب.. وحافظوا على شوارعه وأحلامه، ومسيرته.

القيسي جاء في زمن الحرب، والبارود... فخلفيته العسكرية، لم تكن زاخرة بالرفاه ورغد العيش، عاش فترة من عمره تحت الخطر.. وكان يتوقع الطلقة الغادرة في أية لحظة، ويتنقل في عمان.. ممتطيا سيارته (الفوكس فاجن).. يقاتل الليل أحيانا والليل يقاتله، ولا يدري.. على أي كف ستحمله الأقدار، على كف النجاة.. أم على أكف الاغتيال.

كنا نسير معه أواخر التسعينيات، إلى أطراف مادبا حيث (مزرعته).. وفي السيارة، نسرق من شفتيه بعض الأحاديث، عن زمن الصراع وزمن العواصم التي زرعنا فيها عيونا وألسنة، وزمن المسؤولية القاسية التي لا مجال فيها للخطأ..ويتحدث (الباشا).. وتستغرب كيف لهذا الوطن الصغير المحاصر بالكبار والعمالقة، أن يفعل كل ذلك... لا بل يفعل ما لا تقدر عليه.. العواصف والبراكين.

يسجل له، أنه استوعب الكثير من المعارضين، وأعاد زجهم في مؤسسات الدولة، يسجل للباشا أنه طوى ملفات كثيرة، ويسجل له أنه أسس القبضة الأمنية الأبوية، وتجاوز بالدولة منعطفا خطرا بداية (التسعينيات)... يسجل له، أنه عاش ومات وهو مؤمن بالقلم.. وكان يعشق اللغة، لم يترك مقالا أو كتابا دون قراءة... والأخطر أنه كان يقرأ عيوننا قبل مقالاتنا.

وهداياه لم تكن مسدسات، كان يرسل لنا الأقلام.. ومقالات قديمة جدا من صحف عربية، احتفظ بها... وكان يرسل لنا بعد كل مكالمة، الحب.. والود، ويرسل الصبر على أكف الأثير..

مات مصطفى القيسي، وهذا الشيب النبيل الذي غادر الحياة.. ملتحفا الرضا والتاريخ المشرف، يليق به الحرف والشعر.. فقد أخلص للأردن وأحب بلاده... حد أن ذاب في هواها.. وهي ذابت في هواه.

Abdelhadi18@yahoo.com