لعل البعض يظن أن تاثير النقل العام المنتظم على حياة المواطن يقتصر على تخفيف الازدحام المروري والراحة الجسدية والنفسية للمواطن والمحافظة على المواعيد بانتظام. إلا أن الواقع القائم في الدول التي ينتظم فيها النقل العام يُبن مجموعة من الآثار الايجابية التي تصب في تحسين الظروف المعيشية للمواطن.

فهنالك، أولاً، الآثار الاقتصادية التي تتمثل في تخفيض الإنفاق على المحروقات والمركبات وقطع الغيار والإطارات، وكلها مستوردة بالنسبة لنا في الاردن. كما أنه يتوقع أن يكون الاشتراك طويل الأمد مناسباً ومدعوماً، مما يخفف النفقات الشهرية لكل فرد من أفراد الاسرة. أضف الى ذلك التراجع الكبير الذي يتوقع في حوادث المرور وما يترتب عليها من نفقات العلاج للمصابين والإصلاح للمركبات. وقبل هذا وذاك، هنالك فرص العمل التي سوف تتاح لعددٍ كبيرٍ من المواطنين.

وهنالك، ثانياً، الآثار الايجابية الاجتماعية، إذ أن النقل العام المنتظم يهوّن زيارات الأهل والأقارب بصورة منتظمة في أوقات محددة يُتفق عليها. كما أنه غالباً ما تصبح الزيارات متوسطة أو قصيرة المدى وذلك التزاماً بمواعيد النقل المنتظم للعودة إلى المنزل قبل موعد آخر حافلة. أضف الى ذلك، التشجيع على النشاطات الترفيهية المنتظمة والمحددة بمواعيد ثاتبة، مثل ذهاب العائلة الى دور السينما أو ارتياد الاطفال للنوادي أو المرافق الترفيهية.

وهنالك، ثالثاً، تحفيز النشاط الثقافي لدى المواطن، إذ غالباً ما يُرى مستخدمو وسائط النقل المنتظم يقرأون صحيفة أو مجلة أو رواية أو كتاباً أثناء تنقلهم في الذهاب والإياب. ولعله يكمن في هذا السلوك الذي يعتاده المواطن أفضل الأساليب للعودة الى تثقيف المواطن من خلال القراءة المفيدة، بعد هجرانها لصالح التواصل الالكتروني الذي غالباً ما يكون على مستوى متواضع منالفكر والثقافة واللغة.

وهنالك، رابعاً، تخفيف الآثار البيئية الضارة، إذ أن استخدام النقل العام المنتظم يؤدي الى التراجع، بحجم كبير لا يستهان به، للانبعاثات الغازية للمحروقات التي تستهلكها المركبات الخصوصية، وبخاصة في ساعات الذروة التي تتميز بالازدحام والاختناقات المرورية، ومثل هذه الاضرار البيئية تكون أكثر تأثيراً على الاطفال والمرضى وكبار السن والمرأة الحامل. وبالاضافة الى ذلك، فإن هنالك آثاراً صحية إيجابية من حيث تشجيع المواطن على المشي للوصول الى أقرب محطة لوسيلة النقل المساعدة أو الوصول مباشرة الى أقرب محطة للنقل العام المنتظم.

وهنالك، خامساً وأخيراً، الآثار التربوية والاخلاقية الحميدة التي يكتسبها المواطن الذي يستخدم النقل العام المنتظم. ويتمثل ذلك في أن عدداً من المقاعد يخصصُ في المعتاد لكبار السن والمرضى والمرأة التي تحمل طفلاً رضيعاً أو تمسك باطفالها خشية السقوط. والأصل أن لا تُشْغل هذه المقاعد من قبل المواطنين الآخرين، وفي ذلك نموذج تربوي وأخلاقي للشباب الذين يظلوا واقفين على الرغم من شغور مثل هذه المقاعد، لا وبل يتسع هذا النموذج في تأثيره عندما تكون جميع هذه المقاعد مشغولة ويقف الشباب الجالسون لإفساح المجال لجلوس رجل مريض أو سيدة معها طفل.

وخلاصة القول، فإننا نتطلع، بعد إستكمال مشروع الباص سريع التردد في وطننا الحبيب، أن يحدث تغييرٌ جذري في ثقافة المواطن للاستفادة من الآثار الايجابية للنقل العام المنتظم، كما هو موصوف في أعلاه، وذلك إقتداءً بما هو معمول به في دول العالم المتقدم.