يواجه مجلس النواب اختباراً جديداً بتصديه لمناقشة طلب المدعي العام الإذن بملاحقة وزيرين سابقين، وبدأت حالة من التوتر بين النواب على خلفية الطلب وتفاصيله، خاصة أن المجلس يدخل في المرحلة الأخيرة من عمره، وتتصدر الشعبوية لتصبح العامل الأكثر تأثيراً، ومع ذلك يثير طلب المدعي العام سؤالاً أكبر من هذه التفاصيل يتعلق بضرورة هذا الإجراء من الأساس، وتبرير الحصانة التي يتمتع بها وزيران سابقان غادرا موقعهيما.

يفترض أن تكون الحصانة مرتبطة بالمنصب لا بالشخص، فنظرياً لا يمكن لأي شخص أن يكون فوق القانون، ولا يمكن أن يتم تعطيل سير العدالة تحت طائلة تفاصيل إجرائية، والسيناريو الأسوأ ربما يتمثل في هذه الحالة في ألا يقوم مجلس النواب بالإذن للنائب العام ووقف الملاحقة بناء على ذلك.

يجد الكتاب والمتابعون أنفسهم في حرج وكثير من العناء عندما يتعلق الموضوع بتفاصيل دستورية وقانونية، ولا سيما أن كثيراً من هذه الموضوعات جدلي بالأساس، وقد يختلف حوله الفقهاء والمختصون، وفي هذه الحالة لا بد من العودة إلى المنطق والأصل في الأشياء، وفي هذه الحالة لا يمكن إلا أن يكون المنطق في صف التأكيد على ضرورة اتباع القانون القائم، لأن احترام القانون يعتبر واجباً وطنياً لا يقبل النقاش ولا التجزئة، وكذلك، فمن الواجب الأصيل النقد المتواصل تجاه تحسين القانون بوصفه أحد الأدوات التي تخدم المجتمع وسلامه واستقراره.

في هذه الحالة يتوجب توفير كل الدعم للسلطة القضائية وممثليها، والتأكيد على الاستقبال الشعبي الايجابي لقرارات كانت تقع دائماً ضمن المطالب الإصلاحية، والحيلولة دون تمكين المجلس النيابي من تحويلها إلى معترك للاستعراض والحصول على الشعبية.

يجب أن يعرف المجلس أن من دوره أن يتعرض للضغوط المستمرة، وأنه ليس بمعزل عن ذلك، وأن كل الدعاوى التي يوجهها بعض النواب للإعلام ولمواقع التواصل لا محل لها من الإعراب، وأن خلافاتهم وما يجري تحت القبة لا يعني أحداً بقدر ما تعني المتابعين النتائج النهائية، فالمجلس في تكوينه الكلي لا يمثل أحزاباً تمثل تيارات عامة، ولذلك فالصراعات الفردية والشخصنة يجري استقبالها بسلبية من المواطنين الذين يشعر كثيرون منهم بالخيبة والاحباط من أداء ممثليهم خاصة أنهم في النهاية يمثلون أفراداً بلا مرجعيات يستطيع الناخبون محاكمتها سياسي?ً وفكرياً.

على مجلس النواب لإثبات حسن نيته في أن يكون شريكاً حقيقياً في الإصلاح، والحرب على الفساد، أن يمرر بكل تعاون طلب المدعي العام، وأن يسعى أيضاً لمراجعة البنية القانونية التي تجعله طرفاً بين السلطة القضائية والتنفيذية، فالتوازن لا يكون بهذه الصورة، فكم تمثل هذه التفاصيل بيئة خصبة لشياطين التعطيل والتفويت.