أبواب - زياد عساف

«الريح طاغية.. ولكن الأغنية لا تموت.. ستظل الأرض تنبت القصب.. ومن القصب سوف نصنع المزمار.. تلو المزمار.. تلو المزمار..ومع كل مزمار ستولد أغنية ونهار »، أنَّات خطَّها أديب منسي، حرَّك شجونه عازف ناي مجهول.. علقت ملامحه في الأذهان عبر مشاهد سينمائية، تارة وهو يعزف ألحانه على أطراف نهر أو تحت شجرة، وتارة أخرى في مقهى شعبي في ركن مهمل بحي قديم.

عازف الناي شخصية أنصفتها السينما في بعض الأعمال، وبقيت هامشية في أعمال أخرى، ظهورها على الشاشة للحظات كفيل بأن تلامس بنغماتها أشجان وأحلام انسانية عجزت أن تعبر عنها أدوات معرفية أخرى من صنوف الأدب والشعر وغيرها من الفنون .

الزمار..

«يموت الزمار وصوابعه بتلعب»، هذا هو حال المخرج الراحل عاطف الطيب الذي آل على نفسه أن يتبنى قضايا البسطاء رغم الضريبة الكبيرة التي كان يدفعها كل مرة وتجنبها غيره من المخرجين، وبقي على هذا الأصرار في كل أعماله، ومنها اختياره للشخصية الملهمة والثرية عازف الناي حسن (نور الشريف) في فيلم (الزمار) انتاج عام 1985 والمأخوذ عن مسرحية (هبوط أورفيوس) للكاتب تينسي وليامز، والمعالجة الدرامية والسيناريو لرفيق الصبان والشاعر الغنائي عبد الرحيم منصور.

الانسجام كان العنصر الرئيسي في إنجاز هذا العمل، انسجام في الرؤية بين عاطف الطيب ونور الشريف، وتوأمة الروح ما بين الموسيقار بليغ حمدي وعبد الرحيم منصور بأشعاره التي يرددها الزمار طيلة الفيلم، جميعهم نسجوا حكاية الزمار حسن طالب كلية الهندسة الذي قدم مسرحية أزعجت السلطة السياسية وأصبح مطاردا في كل مكان، وحط به الرحال في قرية متخيَّلة اسمها (العَرَابه) كدلالة على حالة عربية وليست مصرية فقط.

في هذه القرية عم الفساد على يد أشخاص منهم المتستر باسم الدين، والحزبي المتاجر بالشعارات، ومثقف السلطة والضابط، جميعهم يستخدمون صلاحيتهم في تحقيق مطامع مالية شخصية من خلال مشروع (الفنطاس)،وغايته جر مياه الشرب للقرية وتشغيل عمَّال من السكان تم استغلالهم بأجور زهيدة، من هنا يقوم حسن بدور المدافع عن حقوق البسطاء وكشف الفساد المستشري بالقرية، بالتحريض عبر نغماته الشجية على المزمار المصاحب له في حله وترحاله، فيعزف عليه أنغامه، ويتلو أشعاره التي تحرض سكان (العَرَابه) على رفض الظلم، وتكون الخاتمة أن يقتل على يد الفاسدين، وفي دلالة رمزية ينحني صديقه عبدالله (صلاح السعدني) ليتناول مزمار حسن وينسحب برفقة حبه القديم دولت (بوسي)، ويمضيا في طريق على أطرافه طيور ترفرف حول شبابيك البيوت،وفي نهايته شجرتا نخيل في إشارة لاستمرارية الحلم والأمل.

زمّار الحي لا يطرب

لم يكتف عاطف الطيب بهذا العمل ليجسد شخصية عازف الناي، والسبب يتوافق مع المثل الشعبي (زمّار الحي لايُطرب)، فلقد اعترضت الرقابة على فيلم (الزمَّار) وواجه كثيرا من الصعوبات، ولم يأخذ حقه من العرض في دور السينما وعبر الشاشة الصغيرة، وهذا ما حفَّز المخرج الطيب لإنجاز فيلم (البريء) عام 1987 أي بعد سنتين من انتاج الفيلم الأول.

أبدع الفنان أحمد زكي في تجسيد شخصية (أحمد سبع الليل) الإنسان الأُمي البسيط، يتم استدعائه لأداء الخدمة العسكرية في أحد السجون التي تضم مجموعة من المعتقلين السياسيين،ويتم إيهام (احمد سبع الليل) أن هؤلاء أعداء الوطن لا أُناس غيورين عليه.

وليخفف من حدة لهيب الصحراء والغربة التي يعيشها بعيدا عن والدته وشقيقه المعاق ذهنيا اللذان يعيلهما، يلجأ سبع الليل للعزف على الناي الذي صنعه بنفسه وجلبه معه من القرية، ورمزية الناي بطبيعتها تعبر عن الفقراء أمثال (سبع الليل) منذ آلاف السنين ولغاية الاّن، ويتجلى هذا التباين الطبقي عندما يتوجه قائد السجن محمود عبد العزيز (شركس بيه) بصحبة ابنته الى أحد محلات ألعاب الأطفال لشراء لعبة كهدية منها لزميلتها في عيد ميلادها، ويختار لها الأب آلة الجيتار كدلالة للثراء والتأثر برفاهية الغرب، وفي الوقت نفسه إشارة مناقضة للناي رفيق (الغلابا) بطبيعة الحال.

وتكتمل رؤية المخرج من خلال نهاية حذفتها الرقابة، وأعيدت عام 2005 بعد وفاة أحمد زكي من باب التكريم له، وينتهي الفيلم مع مشهد (سبع الليل) وهو يقوم بدور الحراسة في أعلى البرج وفي يده الناي، وفي اليد الأخرى السلاح، ويسقط من على البرج صريعا بعد إطلاقه الرصاص على قائد السجن ومعاونية، ويسقط معه الناي والسلاح ليستقرا على الأرض ويلتصقا معا، واللقطة الذكية في هذا المشهد أن الناي كان يعلو قطعة السلاح تأكيدا لرؤية المخرج المتمثلة في أن صوت الناس هو الأعلى دائما.

حسن ونعيمة..

في المقابل ظهر عازف الناي كشخصية هامشية في أدوار سينمائية كثيرة، رغم آهات كانت تنبعث من جمهور الصالة،وهم يستمعون لأنغامه الشجية التي تخاطب الجانب الحسي والإنساني المخبوء في دواخلهم، ومن هذه الأفلام (حسن ونعيمة) انتاج عام 1959، وكان الظهور الأول لبطلي الفيلم: محرم فؤاد (حسن المغنواتي) وسعاد حسني (نعيمة)، تأليف الأديب عبد الرحمن الخميسي عن قصة حقيقية وقعت في إحدى القرى بريف مصر.

الناي في هذا العمل كان بطلاً خفيا في مشاهد كثيرة، كصورة موسيقية خلفية مكمّلة للبناء الدرامي، وظهر أيضا عازفو الناي والأرغول بالفيلم في أغنيتي محرم فؤاد (رمش عينه) و(الحلوة داير شباكها)، والحضور المؤثر لهم كعازفين مصاحبين للمطرب الشعبي محمد طه وفرقته وهو يتغنى بموال حزين يرثي به حال حسن ونعيمة، عبّر صوت الناي هنا عن الحزن الذي يعانيه بطلي هذه الملحمة الشعبية، فنعيمة إبنة رجل إقطاعي وحسن يرفضه الأب كزوج لابنته لفقرة، وفي الوقت نفسه لأنه (مغنواتي)، فالفن بالنسبة لهذه البيئة من المحرمات عملا بمقولة المثل: » الدف والمزمار.. لا يصنعوا انتصار ».

تمر حنة..

«تمر حنه» عمل سينمائي يروي حكاية فتاة غجرية تنكرت في شخصية إبنة باشا ثري وأدت دورها الفنانة الشاملة نعيمة عاكف، وفي صورة درامية غنائية وعبر نغمات مؤثرة للناي وصاحبه تشدو فايزة أحمد للإنسانة التي تنكرت لأصولها «يا تمر حنه.. خليتي بينا وبعدتي عنا»، ويبرز وجع الناي في الأغنية عندما تشدو فايزة بموال مطلعه «الحب عمره ما يتَّاقل يا ليل بالمال.. الحب بالحب مش بالدبلة والخلخال».

الفنان محمد قنديل وكواحد من طاقم المركب القديم المسافر عبر أحداث فيلم (صراع في النيل) 1959، يبدأ بالعزف على الناي في مشهد من الفيلم كمقدمة جميلة لأغنيته (يا مهوِّن) المعبرة بكلماتها وأنغامها عن أشجان الغربة والحلم بالعودة للأهل، بعد تحقيق الغاية بشراء مركب حديث يخدم ويعزز أعمال النقل النهري في بلدتهم.

يا مقبَّل يوم وليلة..

ومن غير الناي رفيقا مواسيا من عناء السفر، ففي صورة غنائية لمجموعة مسافرين أنهكهم الترحال، تجمعهم كابينة واحدة لقطار قديم متهالك يغني فريد الأطرش ليبعث الأمل في نفوس من شدَّهم الشوق لبلد المحبوب، وبألحان معبِّرة جسَّدها عازف ناي محترف مرافق لفريد (يا مقبِّل يوم وليلة.. إطوي السكة الطويلة.. وديني بلد المحبوب)، جاء ذلك في مشهد من فيلم (انت حبيبي) اخراج يوسف شاهين وانتاج عام 1957.

وفي فيلم (آخر كذبة) عام 1950، يتألق عازف الناي بصحبة فريد أيضاً، وهو يشدو مواله الشهير (أكل البلح حلو.. بس النخل في العالي.. مش طايله ايدي البلح.. يا رب كان مالي)، نغمات الناي عبرت هنا عن الشجن والحزن لاستحالة الوصول للحبيب، كما البلح في أعالي النخيل كصورة غنائية معبرة وترجمة صادقة لكلمات الموال،وعن أمل الفنان الحالم بالوصول للنجوم عزف عبد الحليم على الناي وغنى أيضا في فيلم شارع الحب 1958: (موالي.. يقول يا ليل انا خالي).

حكاية

سئل أحد عازفي الناي عن سر توجهه لاحتراف هذه الهواية، وراح يعزو ذلك لحكاية حصلت معه في أحد الأيام، حيث أثار استغرابه أن الأغنام تتحرك بشكل فوضوي لا يخلو من العصبية أحيانا، ولكنها تهدأ وتجلس مصغيةعندما يبدأ الراعي بالعزف على الناي، وكان رد الأخير على هذا الموقف أن المواشي تطرب أيضا للموسيقى كالإنسان، وهو ما دفعه لتعلم العزف على هذه الاّلة فيما بعد.

يستدعي هذا الموقف العديد من الصور الغنائية السينمائية المجسِّده للصحبة القديمة بين الراعي والناي، ومن بينها فيلم (سلّامه) انتاج عام 1945، إذ أدى الفنان فاخر فاخر دور راعي الغنم ورافق أم كلثوم (سلَّامه) بالعزف على الناي، وهي تشدو بأغنيتها (غنيلي شوي شوي)، ورغم أن هذا اللحن يعكس أجواء الفرح والسرور، إلا أنه لا يخلو من سحابة شجن، وجاء الناي هنا يؤكدها ونلمسها بين سطور كلمات الأغنية مثل (كبد مجروح، عليل، ظلام الليل).

يا ناي قول معاي..

ومن استعراض البدوي في فيلم (ليلى بنت الشاطيء) 1959، يتألق عازف الناي بنغماته المعبرة مع كلمات وغناء الراعي (محمد فوزي) وهو يستغيث بالناي ليشاركه الآهات: يا ناي قول يا ناي.. يا ناي قول معاي.. حراق يا سهد الليل حراقه يا قولة اّي).

خلاصة ما سبق يختزله جلال الدين الرومي في وصفه لنغمات الناي بأنها حنين الناي لمنبته الأصلي الذي قُطعَ منه(القصب) قبل أن تتناوله يد البشر فتشكلت منه هذه الآله الموسيقية، وعلى لسان الناي يقول الرومي في أشعاره:

«فكل من قُطَعَ عن أصله.. دائما يحن الى زمان وصله.. وهكذا غدوت مطربا في المحافل.. أشدو للسعداء وأنوح للبائسين.. وكل يظن أنني له رفيق!!» .