لا بد وأن لدى الكثيرين من الخبراء القدامى والمسؤولين السابقين واصحاب التجربة والخبرة، الشيء الواسع والكم الهائل من الأفكار المتكاملة والنماذج المتكاملة في مختلف القضايا التي خاض بها ذاك القطاع الذي عملوا فيه وساهموا في مسيرته وانتاجه وافرزوا فوائده ومزاياه، مما ينعكس على حياة المجتمع وعيش الناس. ولا بد أن المجتمع في حالته الراهنه بحاجة الى الاستنارة من تلك التجارب، لكي لا يبدأ من الخطوة الأولى ولا يبني مستقبل حياته من غير الاستفادة مما تراكم من خبرات، ليختصر المسافات بين توليد الأفكار وبين وضع التطورات.

ولما كان المواطنون والوطن بحاجة الى دفعة قوية ونية صادقة وعزم أكيد، لتسير حياتهم نحو الأفضل وليمضي عيشهما نحو الأرغد، فان تلك الدفعة لن تقوى الا بالأفكار المفيدة البناءة وان تلك الدفعة تحتاج الى النية الصادقة الوفية، وان تلك الدفعة لن تسير الا بالعزم الذي يتأكد فيه الحماس والمثابرة والتفاني لأجل الصالح العام وتقديمه على المصلحة الشخصية، مما يتطلب ضبط العمل على أساس هذه المعادلة.

ولعل من ركائز ضبط العمل على هذا الأساس هو التعرف على التجارب السابقة والبناء عليها والخبرات المتراكمة والاستفادة منها، سواء في ايجابياتها او سلبياتها. وهذا لن يتأتى الا بان يعرض هؤلاء المسؤولون لما مروا من تجارب وخبرات، وهي المطعمة بحنكة الشيوخ والموشاة بحسن السيرة، وتشكل جميعها في معناها ومبناها دروسا مستفادة وعبرة معتبرة وحكمة بليغة للأجيال التي اعقبتها، ولقد عبر الفكر الخلدوني وهو الرائد في علم الاجتماع العربي، عن ثقافة الابتكار والتجديد، موفقاً بين عمق الأصالة ومحدثات الزمان. بفضل ما فيه من أسس الايجابية والتوازن، ولهذا فإن دعوة الإصلاح والتجديد التي نادى بها ابن خلدون ما تزال ماثلة في منطلقات الجهود الإصلاحية والتجديد في المجتمع العربي المعاصر، اذ قامت دعوته خلال استنطاق التاريخ، ليقول بدورة الحياة بالنسبة للدول كما هي بالنسبة للإنسان تنمو وتقوى، وترتفع ثم تهبط. ويدعو الأمم على اخذ العبرة من تاريخ الأمم التي سبقتها، اذ أن التاريخ في باطنه نظر وتحقيق، على نحو ما فعله «ميكافيلي في الامير» و«بودان في الجمهورية» و«مونتسكيو في فلسفة التاريخ»... ولكن هذا لا يعني أن تاريخ الشعوب مرسوم ترسيمة تاريخية كونيه سابقة على قيامها، مثلما أنه لا يوجد قدرية ثابتة للمجتمعات.

ولعُل السؤال الأهم يقوم على حفز الثقافة وتفعيلها في المجال العربي، حيث التوكيد على ملمح «الهوية» مقابل عنصر التهديد بالفناء، فبعد أن خبا سلاحها الحضاري بات من الجلي أن يتم الركون نحو ترسانتها الثقافية، ويبقى السؤال الأهم عالقا وسط هذا الازدحام من التداعيات في سيل من المفاهيم والرؤى الخلدونية في عصره ومحيطه، وبين أفكار ورؤى المثقف العربي المعاصر.