أبواب - ندى شحادة

في السنوات الأخيرة، وضع ذلك المرض الخبيث تحت حصار مبادرات الكشف المبكر عن سرطان الثدي من خلال إطلاق حملات التوعية بوسائل الإعلام وإعلانات الطرق ومواقع التواصل الإجتماعي، وساعد انتشار فرق الدعم من خلال مؤسسة الحسين للسرطان والمبادرات والجمعيات على استجابة كثير من السيدات لإجراء فحص الكشف المبكر.

الناجية كاريمان طهبوب والبالغة من العمر (51 عاما) تروي رحلتها مع المرض «لأبواب الراي »، وكيف كان الكشف المبكر سبباً رئيسياً في نجاتها، وتقول: «قبل سبعة أعوام، وأثناء ذهابي لزيارة إحدى صديقاتي في شهر تشرين الأول كان اللون الوردي ولافتة «أوعدينا تفحصي» تغطي أجزاء واسعة من المملكة، تلك العبارة سيطرت على تفكيري لأيام ودفعتني لاحقا للتوجه إلى عيادة الفحص المبكر لسرطان الثدي لإجراء فحص الماموجرام ».

وتضيف: «ذهبت وكلي ثقة بأن الكشف هو زيادة اطمئنان فقط، فلم تكن هناك أية أعراض تشير إلى أن المرض قد طرق بابي، وللأسف لم تكن توقعاتي صائبة، فبعد إجراء الفحص تبين أن ذلك المرض اللعين قد داهمني».

وتقول: «لحظات عصيبة أحاطت بي إلا أنني سرعان ما لملمت مخاوفي، وعاهدت نفسي على مواجهة المرض بكل قوة وأمل، ولحسن الحظ كان حجم السرطان 1,3 ملم، هذا الأمر طمأنني، فلطالما سمعت عن أهمية الكشف المبكر في القضاء على المرض».

اكتشاف المرض في بداياته أمد طهبوب بقوة لمجابهته، وتقول: «بدأت رحلة العلاج بروح معنوية كبيرة وثقة تامة بأنني سأنتصر، فلا زال الورم صغيرا، ويمكنني القضاء عليه، واقتصر علاجي على استئصاله مع الخضوع لست جلسات كيماوي و23 جلسة أشعة ».

وتؤكد طهبوب أن: «ذلك الإعلان كان طوق نجاة ساعدني على مقاومة المرض بأقل الخسائر، ومكنني من البقاء إلى جانب زوجي وأبنائي وعائلتي، وها أنا أجري الفحوصات الدورية لأحصن ذاتي من عودته، ومواجهته في حال مداهمته لي مجددا».

وتبين مديرة وحدة الكشف المبكر عن السرطان التابعة لمؤسسة الحسين للسرطان الدكتورة يسار قتيبة أن: «بإمكان أشعة «الماموجرام» الكشف عن الأورام السرطانية الصغيرة جدا، والتي تعجز المريضة عن تلمسها بيدها، وهذا ما حصل مع طهبوب، إذ لم تظهر عليها أية أعراض تشير إلى المرض بالرغم من وجوده ».

وتقول: «إذا كان حجم الثدي كبيرا والورم غميقا، من الممكن أن لا تلاحظه المصابة، وكذلك الأمر إذا كان حجمه صغيرا، فقد لا تشعر به المريضة، ولا يتم الكشف عنه الإ بإجراء فحص «الماموجرام».

وتؤكد: «ضرورة إجراء السيدات لفحص الماموجرام وخصوصا ما فوق 40 سنة، والالتزام بالفحص الذاتي الشهري لجميع الفئات العمرية، والفحص السريري مرة على الأقل كل ثلاث سنوات للأعمار ما بين 20 -39».

وتشدد قتيبة على أن:«المتابعة الدورية المنتظمة من الأمور المهمة التي تحافظ على سلامة المتعافيات من مواجهة عودة المرض مجددا».

ووفقا لمختصين فإن:«اكتشاف المرض في مراحله الأولى سبب رئيس للشفاء منه، في حين أن الكشف عنه في مراحل متقدمة يؤدي إلى استفحال المرض ومن ثم الوفاة، ويعد الفحص الدوري هو الأساس في الكشف المبكر عن السرطان ومن أهم الأسباب المؤدية إلى الشفاء.

وحمل البرنامج الأردني للكشف المبكر عن سرطان الثدي شعار «لا تستني الأعراض.. افحصي» ليكون عنوانا لحملته التوعوية لهذا العام.

ويقول مدير عام مركز الحسين للسرطان ورئيس مجلس إدارة البرنامج الأردني لسرطان الثدي الدكتور عاصم منصور: «اعتمدنا هذا الشعار لأن أحد الاستطلاعات خلص إلى أن أربع نساء من كل عشر أردنيات عزون سبب عدم إقبالهن على الفحص المبكر الى عدم وجود أعراض، وهذا ما يتناقض مع جوهر الكشف المبكر عن السرطان».

ويبين أن: «سرطان الثدي يعد مسؤولا عن 40 % من حالات السرطان عند السيدات الأردنيات، وهذا ما يجعله السرطان الأكثر شيوعا في الاْردن».

ويؤكد أن: «الكشف المبكر عن سرطان الثدي قد أدى إلى خفض نسبة الوفاة في الدول التي اعتمدت برامج وطنيه للكشف عنه».

ويلفت منصور إلى أن :«دراسة حديثة بينت خفض نسبة الوفاة بهذا المرض في الاْردن بنسبة 25 % خلال السنين العشر الماضية وهي عمر البرنامج الأردني لسرطان الثدي مما يدلل على النتائج المميزة لهذه الحملات التوعوية ولتوفير البنية التحتية اللازمة لضمانة إجراء الصور التشخيصية بجودة عالية».

وبحسب مدير السجل الوطني للسرطان الدكتور عمر النمري فإن عدد حالات سرطان الثدي عام 2016 بلغ 1278 حالة بين الأردنيين من بينها 1262 حالة سرطان بين الإنات و16 حالة بين الذكور مقابل 1135 حالة بين الإناث و8 حالات بين الذكور في عام 2015.

التشخيص الصحيح ضرورة

الناجية المصابة غادة العابودي والبالغة من العمر (28 عاما) أحست بكتلة في ثدييها في بداية الإصابة، إلا أن التشخيص الخاطئ كان سببا في انتقال المرض إلى أعضاء جسدها.

وتقول العابودي: «ذات مرة وأثناء قيامي بالكشف الشهري الذي اعتدت عليه وجدت كتلة في ثديي الأيسر بحجم حبة الكرز، جزعت كثيرا وأثار الأمر في نفسي علامات مبهمة ومشاعر متباينة بين الأمل والرجاء». «هل سيكون ما أخشاه؟ أم أنها أوهام؟ ظلت الأسئلة تتخبط في رأسي إلى أن قررت أن أقوم بخطوة حاسمة وهي الذهاب للطبيبة وقطع الشك باليقين لأخرج من دائرة القلق والخوف التي بت حبيسة داخلها».

وتقول: «استبعدت الطبيبة الخاصة آنذاك إصابتي بالخلايا القاتلة وطمأنتني بأنها ليست سوى كتلة آمنة تتطلب عودتي للمراجعة بعد عام ـ ولم تجر أي فحوصات تذكر في حينه، وقالت لي: عمرك صغير ولا يوجد تاريخ عائلي للمرض».

وتتابع: «مضت سنة على تلك الزيارة، عاودت فيها ممارسة حياتي بشكل طبيعي إلى أن حان وقت العودة للطبيبة لزيادة الإطمئنان، فكانت المفاجأة كبيرة وارتسمت الصدمة على وجه الطبيبة لتخبرني بضرورة إجراء عملية استئصال لثدييَّ الأيمن والأيسر في أقرب وقت، فقد استوطن ذلك المرض الخبيث في جسدي ».

وتزيد «خرجت من العيادة والسواد يخيم على حياتي، كيف لا؟ وهناك معركة مريرة وقاسية تنتظرني، إنه ذلك المرض اللعين، وها هي شياطينه تحارب أنوثتي وتحاول النيل مني ».

وتصف شعورها في تلك المرحلة بقولها: «عشت صدمة كبيرة تحولت لاحقا إلى عزيمة وإيمان كبيرين بضرورة مواجهة المرض، لست أنا التي ترفع راية الإستستلام، فالحياة تستحق المجابهة، وسوف أنتصر».

قررت العابودي أن تبني حائط صد منيع ضد المرض، فبدأت بتلقي الخطة العلاجية، وخاضت عالم التطوع لدعم مريضات سرطان الثدي وعائلته، فهي منذ استئصال ثدييها تقوم بزيارة المريضات وتشد من أزر اهالهين و تعلمهم بأن السرطان لم يعد ذلك الشبح القاتل الذي ترتعد له الفرائص وتنقبض منه القلوب.

وتبين الدكتورة قتيبة أن: «التشخيص الخاطئ لحالة العابودي وتأخرها في تلقي العلاج المناسب كان سببا في استصال ثدييها ووصوله للغدد الليمفاوية،فسرطان الثدي إذا لم يتم اكتشافه في المراحل المبكرة ينتشر إلى مناطق الجسم المختلفة».

وتقول: «قد يحكم الأطباء بالفحص السريري للمريضة بأنها غدد حميدة، ولهذا ينبغي التأكد من ماهية الكتل والتحري عنها و تصويرها ومن ثم تشخصيها بالشكل المناسب ».

وتلفت إلى أن :«80 % من تلك الأورام عادة ما تكون اوراما حميدة، ومع ذلك فيجب المتابعة كل ستة أشهر للتأكد من أن حجمها لم يكبر ولم يختلف ».

وتؤكد قتيبة أن:«المرض إذا اكتشف في مراحله الأولى لا ينتشر المرض إلى خارج الثدي وتكون فترة العلاج أقصر وتقل التكاليف».

مضاعفات محتملة

تعاني مصابات من مضاعفات عديدة جراء استفحال المرض ووصوله إلى مناطق أخرى في أجسامهن.

نهلة الحرباوي عانت من تورم في يديها بعد استئصال الغدد الليمفاوية من كلتا يديها، وأصبحت لا تستطيع النوم من شدة الألم بسبب وصول المرض إلى مراحل متقدمة.

تقول قتيبه: «عند إزالة الغدد الليمفاوية فإنه يرجى أن لا تجرح يدي المريضة أو تصاب بالتهاب أو تتعرض لكدمات، لأن الذراع قد تتورم لعدم وجود النسيج الليمفاوي أو القنوات المسؤولة عن تنقية المواد الضارة، فيغدو القضاء على الالتهاب أو عودة الذراع لوضعها الطبيعي أمرا صعبا، وتصبح اليد منتفخة ويصاحبها الألم».

ضرورة الحملات التوعوية

وحول أهمية حملات الكشف المبكر يبين أخصائي علم الإجتماع الدكتور حسين الخزاعي: «تساعد تلك الحملات في أن تتشكل القناعة لدى السيدات، الفتيات، إلى ضرورة إجراء الفحوصات السريرية والدورية، فيكن جبهة مقاومة لانتشار سرطان الثدي ودرء خطره في الوقت المناسب ».

ويشدد على أن: «المجتمع المعافى ينشأ من خلال الوعي والتنبه والإسراع في الوقاية والعلاج المبكر للمرض، وهنا يبرز دور المؤسسات الصحية والتعليمية والثقافية والإعلامية في دعوة جميع السيدات إلى الإقبال على إجراء الفحوصات اللازمة وإقناعهن بضرورته».

ويؤكد الخزاعي على أن:«حملات التوعية التي تقوم بها مؤسسة الحسين للسرطان كان لها دور كبير في تخطي الخوف الذي يحيط بالنساء من إجراء الفحص والذي يجعل المرض يتقدم ويصّعب الشفاء ».

عوامل وقائية

تقول أخصائية التغذية العلاجية مي المومني :» بالرغم من أن هناك عوامل لا يمكن السيطرة عليها في الإصابة بسرطان الثدي كالعمر، وتاريخ العائلة، والوراثة، إلا أن هناك عوامل يمكننا السيطرة عليها كالتدخين وممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي جيد».

وتلفت إلى أن: «هناك دورا للغذاء على صحة السيدات في الوقاية من المرض أو عدم عودته مجددا حال الإصابة، فتأثير العناصر الغذائية التي يحتاجها جسم الإنسان يمتد للوقاية من الإصابة بالأمرض إذا أحسنا الاختيار، وقد يتسبب بالإصابة بالأمراض إذا أسأنا الاختيار، فاختياراتنا الفردية في مجال الغذاء قد تحدث فرقا حقيقيا في نسب الإصابة والوقاية منه».

وتؤكد قتيبة على أن:«هناك علاقة طردية بين ارتفاع الدهنيات الناجمة عن سوء التغذية والإصابة بسرطان الثدي خاصة بعد سن انقطاع الطمث، فالهرمونات الموجودة بالشحم يكون لها أثر سلبي على الجسم وتزيد من خطر الإصابة بسرطان الثدي».

الدعم النفسي ضرورة ملحة

يقول أخصائي الطب النفسي الدكتور أحمد عبد الخالق إن :«هناك علاقة وثيقة بين نفسية المريضة الإيجابية واستجابتها للعلاج الدوائي، فالمريضة يجب أن تكون على ثقة تامة بالشفاء وتقبل العلاج، فهذا الأمر يزيد من نسبة الشفاء بشكل ملحوظ ».

ويضيف: «نفسية المريضة تنعكس على تقبل العلاج ومقاومة المرض، وهذه المرحلة تطول أو تقصر بحسب النفسية ودعم المحيطين لها».

ويحذر عبد الخالق من نظرة الشفقة أو الحزن من قبل المحيطين ويقول: «قد يغدو دور المحيطين بالمريضة سلبيا نتيجة جهلهم بفكرة المرض أو تكون لديهم تصورات مغلوطة عن سرطان الثدي، وهذا ما يجعل المريضة في وضع نفسي سيىء وقد يتسلل اليأس إليها ويؤثر على مدى استجابتها للعلاج » .