أبواب -الدكتور عامر العورتاني 

إن وجود القيم داخل المجتمع يمثل ضرورة اجتماعية، وذلك لأن الثقافات القائمة في المجتمع لديها مجموعة قيم معينة يكتسبها الفرد تدريجيا، فهي نتاج خبرات اجتماعية يصطلح أفراد المجتمع عليها لتنظيم العلاقات بينهم ، وبذلك تعمل القيم على التماسك الاجتماعي ، وهي من المفاهيم الجوهرية ذات الصلة بجميع مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وهي تمس العلاقات الإنسانية بكافة صورها لأنها أصبحت ضرورة لتنظيم التفاعل الإنساني، ولأنها تشكل معايير وأهدافا لا بد وأن نجدها في كل مجتمع منظم، فهي تتعمق في الأفراد في صورة اتجاهات ودوافع وتطلعات، وفي بعض المواقف الاجتماعية تعبر القيم عن نفسها في شكل قوانين وبرامج للنظم الاجتماعية .

إن المفهوم الاجتماعي للقيم يقوم على أنها ليست كامنة في الأشياء ولا ثابتة فيها، ذلك أن الإنسان هو الذي يحمل القيمة في ذهنه ويسقطها على ما يريد، فالأحكام التي نصدرها على الأشياء، والقيم التي ننسبها إليها ، إنما تنبع من اهتمامنا بها ورغباتنا فيها ، فالاهتمام والرغبة من العناصر المهمة جدا في بناء القيم ، فنحن في أحكامنا التقييميّة على الأشياء مقيدون بالالتزام بمعايير المجتمع ، لذلك فإن من أهم سمات القيم أنها معيارية ، إذ تقدم لنا تدريجيا من خلال المواقف الحياتية اليومية ، فتترسخ في أذهاننا، فنتمثلها في أثناء تنشئتنا الاجتماعية .

أشار بارسونز وغيره من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا إلى أن القيمة تتكون من ثلاثة عناصر، وهي المكون الفعلي - المعرفي (الاختيار)، والمكون الوجداني - النفسي (التقدير)، والمكون السلوكي (الفعل)، والقيم بطبيعتها، تتسم بالانتشار والعمومية داخل المجتمع الواحد، فهي تتصل وتتفاعل مع كافة النظم الاجتماعية الأخرى السائدة، وهي في هذه الحالة تقوم بوظيفة اجتماعية تتمثل في أنها تساعد الأفراد على أداء أعمالهم بصورة ناجحة، فضلا عن معاونة الأفراد للعمل بروح الفريق الواحد، أي بشكل تفاعلي نظرا لمشاركة هؤلاء الأفراد بعضهم البعض القيم المشتركة ذاتها، التي توحد أهدافهم، إضافة إلى أنها تشكل اطارا ضابطا لحرية التعامل مع الجميع، وبذلك فهي تتميز بأن لها طابعا مجتمعيا، وتنتظم القيم مع بعضها البعض في نظام قيمي، بحيث تمثل كل قيمة في هذا النظام عنصرا من عناصره.

و بقدر ما تتعدد مجالات الحياة والسلوكيات، تتعدد نظم القيم الموجهة لسلوك الأفراد، فهي من أهم الوسائل التي تزيد فهمنا للشخصية الإنسانية، وتمكننا من تفسير الاختلاف في السلوك.

تتغلغل القيم في حياة الأفراد والجماعات وترتبط عندهم بمعنى الحياة ذاتها، لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بدوافع السلوك والآمال والأهداف، فهي تحقق وظيفتها التكاملية نتيجة دخولها وتعمقها في المواقف والسلوكيات الفردية والجماعية، إضافة إلى تعاملها مع النظم بأسلوب أكثر فاعلية وانتشارا.

إن الفعل ورد الفعل بين القيم والأفراد هو الذي يعطي للقيم حيويتها ويثريها ويعمل على استمراريتها، وذلك بمحافظة النسق الاجتماعي السائد على الأنماط القيمية ورموزها الثقافية، والتي تعتبر بمثابة حوافز للسلوك الإنساني في بعض الأحيان، أو تمثل أهدافا له في أحيان أخرى، وبذلك فإن القيم الاجتماعية تشكل المصدر الذي يمد الأفراد بالدافعية للإنجاز والتطور، وهو ما يوّضح مدى أهمية العلاقة بين القيم الإنسانية وعمليات التنشئة الإجتماعية، وانعكاس ذلك بالمحصلة على الدافعية للانجاز لدى الأفراد.

عملية التنشئة الاجتماعية أولى العمليات الاجتماعية في حياة الفرد وأعظمها شأنا، فهي الدعامة التي ترتكز عليها مقومات الشخصية، فالفرد يولد مجردا من القيم، لتبدأ أفعاله بالارتباط بالقيم بشكل تدريجي من خلال اكتسابه المهارات الاجتماعية عن طريق التنشئة الاجتماعية التي يكتسبها من خلال المجتمع الذي يعيش فيه، فالتنشئة الاجتماعية تشكل طريقا ينتقل فيه الفرد من كائن تغلب عليه الحاجات العضوية البيولوجية الأصل، إلى كائن يغلب عليه حاجات ودوافع من نوع جديد ذات طابع اجتماعي، أي أنها تحول الفرد من طفل يعتمد على غيره متمركزا حول ذاته، لا يهدف في الحياة إلى إشباع حاجاته الفسيولوجية، ولا يستطيع إرجاء حاجاته حين يشعر بالدافع إلى الإشباع، إلى فرد ناضج يدرك معنى المسؤولية ويستطيع أن يتحملها، يعرف معنى الفردية والاستقلالية، ويدرك قيم المجتمع ومعاييره على المستويين المعرفي والانفعالي.

نتعلم من خلال التنشئة الاجتماعية كيف نصبح أعضاء في المجتمع، وذلك من خلال استدماج معايير وقيم المجتمع من ناحية، أو من خلال تعلم كيفية أداء أدوارنا الإجتماعية (كدور الأم، ودور الأب، ودور الصديق، دور العامل، ودور المواطن،.... الخ)، والتنشئة الاجتماعية تعد أساسية في تحقيق التكامل في المجتمع، ولم يعد ينظر إليها باعتبارها الحافظ لمرحلة الطفولة، والتي تتم من خلال الأسرة والمدرسة، ولكنها عملية مستمرة مدى الحياة.

وتسهم عملية التنشئة الاجتماعية في التوفيق بين دوافع الفرد ورغباته، ومطالب واهتمام الآخرين المحيطين به، وبذلك فهو يتحمل المسؤولية الاجتماعية ويدركها ويلتزم بالقيم والمعايير الاجتماعية السائدة، فيضبط انفعالاته ويتحكم في اشباع حاجاته، وينشئ علاقات اجتماعية سليمة مع غيره، وهي لذلك لها دور أساسي في تحديد أنماط سلوك الانسان، وتؤثر تأثيرا بالغا في تحديد جوانب علاقاته الإجتماعية، وتسهم التنشئة الاجتماعية اسهاما ملحوظا في البناء الاجتماعي والنفسي للإنسان، وتقوم بدور فاعل في جعله إنسانا اجتماعيا أكثر سوية وفاعلية في تنمية ذاته ومجتمعه.

تشير التنشئة الاجتماعية إلى العملية التي ينمو من خلالها الفرد ليكون كائنا اجتماعيا، وهي العملية التي يكتسب بها الفرد الحساسية للمنبهات الاجتماعية مثل الضغوط والالتزامات الاجتماعية، ويتعلم السير في اطارها، ويسلك مسلك الآخرين في جماعته أو ثقافته، وهي عملية تكوين الكينونة الاجتماعية، وبذلك فإن الفرد ولكي يستكمل مكونه الإنساني فإنه يتحتم على الفرد إكتساب القيم الاجتماعية من خلال التنشئة الإجتماعية التي يكتسبها من خلال معايشته لمجتمعه الذي ترعرع فيه حتى تكتمل هويته الإنسانية.

إن ما يحققه الأفراد من نجاح أو فشل في الامثتال للقيم الاجتماعية، يتجه إما إلى الجانب الإيجابي منها، فتتضح قيمته ويعرف نفسه عن قرب ويتضح دوره في المجتمع، وهو ما يعرف بإنجاز القيمة، وإما أن يتجه إلى الجانب السلبي منها، فيظل يعاني من عدم وضوح الهوية، وجهله بنفسه ومتطلباتها في الوقت الحاضر، وما ستؤول إليه في المستقبل وهو ما يعرف بتشتت القيمة.

إن نجاح الفرد في حل مشكلة الدافع للإنجاز يتوقف على مدى التزام الفرد أو تعهده بالقيم والمعايير السائدة في المجتمع، حيث أن جذور الدافعية للإنجاز تكمن في الثقافة والأسرة وشخصية الفرد نفسه، ففي بعض الثقافات يشكل التشجيع على الإنجاز والإبداع ركيزة أساسية في تنشئة الفرد.

وهنا تبرز أهمية الأسرة في كونها العامل الأساسي في نشأة ونمو الدافع للإنجاز لدى الطفل من خلال مشاعر الدفء والحب والتقدير التي تحيطه بها، حيث تنمو الثقة بالنفس مع الاستقلالية، وتتكوّن مشاعره الداخلية التي هي المحك الرئيسي للاستمرار في الإنجاز ومواجهة الصعوبات والتحديات، في حين أن الأطفال الذين يشعرون بالرفض الوالديّ أو الإهمال، ينخفض لديهم الإحساس بالثقة بالنفس مع عدم الإحساس بالأمان، فلا يبادرون بأية أنشطة تنافسية إنجازية لخوفهم من الفشل.

إن تقديم الدعم ومد يد المساعدة وإعطاء الفرصة للأبناء لمساعدتهم على الإنجاز يشعرهم بالفخر والثقة بالنفس، مما ينعكس عليهم إيجابا ويزيد من رغبتهم في الإنجاز والتفوق، الأمر الذي يظهر في شكل اتقان بعض المهارات والألعاب البسيطة والتميّز في التحصيل الدراسي، وهو ما يساهم لاحقا في أن يكون الدافع للإنجاز ذاتيا، ما يشعر الفرد بقيمة الذات وتقديرها، نتيجة تحقيق الإنجاز في المهام التي يقومون بها.

تتداخل كل المفاهيم والمعاني والحاجات داخل النفس الإنسانية، ويتناغم كل ما هو اجتماعي مع كل ما هو فردي، حيث تلعب التنشئة الاجتماعية من خلال مدخلاتها وتأثيراتها دورا وسيطا في اكتساب القيم وجدولتها بين حاجات الفرد من جهة، وبين رغبته في الإنجاز،وانطباعه عن هذا الإنجاز من جهة أخرى، فالإنجاز والدافعية يشكلان مفهوما ذا بعد تخيّليّ أو افتراضي يتطلب التعبير عنه والتوجه نحوه.

يعتبر الإنجاز وقيمة الدافعية له، مطلبا فرديا واجتماعيا وقوميا في بعض المجتمعات، لا سيما المجتمعات النامية التي تسعى جاهدة للتقدم واللحاق بركب المدنيّة الحديثة، لذلك يجب على هذه المجتمعات وعلى أفرادها أن يتخذوا الدافعية للإنجاز مطلبا اجتماعيا، تحث وتشجع عليه كل مؤسسات المجتمع، أو أن تعمل على تعزيز دور الفرد داخل هذا السياق من خلال التفاعل والتأثر والتأثير بين ما هو فردي وما هو اجتماعي، وذلك بالربط وتأسيس علاقة تفاعلية تهدف إلى تكامل العلاقة بين المستويات الثلاثة وهي القيم، والتنشئة الإجتماعية، والدافعية للإنجاز.

يعتبر الدافع للإنجاز أحد الجوانب المهمة في منظومة الدوافع الإنسانية، فهو يعد عاملا مهما في توجيه سلوك الفرد وتنشيطه، وفي إدراكه للمواقف، فضلا عن مساعدته في فهم سلوك الآخرين وتفسيره، كما أنه يعد مكوّنا أساسيا في سعي الفرد اتجاه تحقيق ذاته من خلال ما ينجز وما يحقق من أهداف، وفيما يسعى إليه من أسلوب حياة أفضل، وتحقيق مستويات أعظم لوجوده الإنساني.

إن الدافعية للإنجاز تعني السعي للوصول إلى مستوى من التفوق تحقيقا لمستويات متميزة شكلا ومضمونا في مختلف مجالات الحياة وعلى الصعيدين الفردي والجماعي، وذلك بإستعداد الفرد لتحمل المسؤولية والسعي نحو التميز لتحقيق أهداف معينة، والمثابرة للتغلب على الصعوبات التي قد تواجهه، والإحساس بأهمية الزمن والتخطيط للمستقبل .

أخصائي علم الاجتماع