أبواب - غدير سالم

المقالب بين الأصدقاء، تعتبر المتنفس أو الملاذ الوحيد لكسر الروتين وتجاوز الرتابة في الحياة اليومية، فبين ضغوط الحياة العملية يجد الكثير من الناس المتعة في عمل مقالب وخلق أجواء من المرح مع أصدقائهم، وذلك لغرض الترفيه والخروج من دائرة الرتابة.

ولكن هناك مقالب يصنعونها تنذر بخطورة كبيرة ومبالغة جداً، وأحياناً تعرض حياتهم إلى الخطر فيدفعون على أثرها الثمن غالياً، ويتحول غاية المقلب الفكاهي من المرح الى نهاية مأساوية.

ويقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي إن:«لمقالب الأصدقاء أهدافاً تختلف من شخص لأخر حسب دوافعها فإذا كانت بدافع المرح والتسلية و بحدود معتدلة، ولا تسبب أي أذى نفسيا أو معنويا أو جسديا، ولا تلحق أية إساءة بالطرف الآخر فإنها تعتبر طبيعية، ولكن إذا تعددت هذه المقالب وتكررت وأصبحت وسيلة أو سمة من سمات الشخص أي انه معتاد على فعلها فإنها تعتبر شكلا من أشكال التنمر والعدوان والإيذاء النفسي والإهانة للآخرين ولا بد من إيقافها، لأنها قد تكون نتيجة لمشكلات في شخصية الفرد تعود لمراحل مبكرة في طفولته، أو تعود?لصراعات نفسية عاشها نتيجة نبذ أو تعرضه لإيذاء أو نقد لاذع من الآخرين».

وهذا يدل على عدم قدرة الفرد على المواجهة فيلجأ إلى طرق خفية وخدع من خلال المقالب، وقد يكون الدافع نوع من أنواع التعويض لأن هذا الشخص اعتاد دائماً أن يكون محل سخرية، أو ربما قام آخرون بعمل مقالب فيه فيحاول أن يمارس هذا الشيء كوسيلة للدفاع عن نفسه».

ويحذر التميمي أنه: «قد يحدث نتيجة هذه المقالب مشاكل وحالات طلاق وانفصال بين الكبار، وربما تتعداها لإصابة الشخص باضطرابات ما بعد الصدمة، وبالطبع تختلف من شخص لآخر حسب مدى الحصانة النفسية، وما يتمتع به الشخص من صلابة نفسية، وهذه الصلابة تختلف من شخص لآخر حسب خبراته ونضجه ومستوى الخبرات في الحياة وطريقة إدراكه وتفسيره للأحداث، وتعتمد على مدى تقبله لهذه المقالب، أما الأطفال فقد تظهر المشكلة لديهم على شكل تبول لا إرادي أو مخاوف مرضية».

ويبين التميمي أن: «هذه المقالب إذا كانت ضمن الحدود الطبيعية والمعتدلة فلا نرى منها أي أذى لأن الدافع يكون في الغالب إضفاء أجواء من المرح والفكاهة بين الأصدقاء، أما إذا كان الدافع منها انتقاصاً أو إهانة أو شكلاً من أشكال التنمر، فلا بد من الوقوف على هذه الظاهرة ومراجعة أهل الاختصاص لأنها قد تكون مؤشراً على إضطرابات نفسية أو أنها ناتجة عن وسيلة يستخدمها الشخص لتغطية إضطرابات نفسية دفينة فيه».

ويقول التميمي إن: «أثر هذه المقالب على الضحية يختلف من شخص لآخر، وهذه قضية حساسة وخطيرة بنفس الوقت، فنحن لا نعلم خصائص شخصية الضحية، إذا كان هذا المقلب يؤدي الى صدمة نفسية، فكثير من الأشخاص الذين يراجعوننا في العيادات النفسية قد تعرضوا لصدمات ناتجة عن موقف مزاح وتخويف».

ويضيف :«غالباً الشخص الذي يقوم بالمقلب يعلم نقاط ضغف الشخص الآخر، فيستغلها كوسيلة لعمل هذا المقلب للإيقاع بهذا الشخص، وكما تحدثنا سابقاً قد يكون الدافع مرحاً أو فكاهة، أوحب الظهور ولفتاً للانتباه، أو كسلوك تعويضي، وجميع هذه الأمور إذا زادت عن حدها وتكررت فأصبحت سمة من سمات الشخصية قد تقود الى مشاكل».

وتقول الاستشارية التربوية والأسرية رولا خلف:«الصداقة تتميز بالدعابة والمرح، ولكن أحياناً تأخذ تلك العلاقة منعطفاً ذا تأثيرات سلبية ونفسية خطيرة، عندما تصبح المقالب هي مصدر التسلية والترفيه، ففي بعض الأحيان، ينفذ الأصدقاء المقالب والشخص الأخر في أسوأ حالاته النفسية مما يتسبب له بالضيق وتعكير المزاج ،ويمكن أن ينتهي الموقف بالصراخ والغضب ويؤذي الصديق صديقه وتنقطع العلاقة بينهما».

وتضيف: «المقالب القوية ممكن أن تؤدي إلى حدوث صدمة وتؤثر سلباً على الشخص وتنهي الصداقة بين الأصدقاء، و قد تصل أحياناً إلى وفاة أحدهم فتكون نتيجتها مدمرة، فالمقالب السخيفة التي يفعلها الأشخاص مع لآخرين تبين حدتها إذا كان الشخص في المقابل يتحمل هذا المزاح أم لا؟».

وتتابع: «إذا كانت ردة فعل الضحية عدم التفاعل والضحك، فهذا يدل على أن الشخص لا يتقبل المزاح وعلينا إحترام خصوصيته، وأنه لا يحب الإشتراك في صنع المقالب، ويحب البعد عن هذه الأمور حتى لا تسبب الأذى في النهاية».

وترى خلف أن :«المقالب في الغالب تكون ثقيلة على النفس وتسبب الفرقة بين الأهل والأصدقاء وأحيانا بين الزوجين، وأعتقد أن هناك غايات سيئة أحياناً من وراء هذه المقالب حينما يعلم الشخص أنه سيؤذي غيره، وهذا يعتبر مرضاً نفسياً، وبأن الشخص لا يحب الخير لصديقه، وأحيانا تكون مؤذية من باب الغيرة، فيحاول الشخص الآخر أن يرد الصاع بصاعين، وبمقلب أكبر منه وبطريقة أكبر، قد تثيره وتزعجه، وهذا ما لا نريد أن يحصل، لأن الهدف يكون واضحا من ورائه، وهو الإيذاء وليس التسلية والمرح».

وتوضح خلف: «علينا من أجل إنهاء المقالب السخيفة عدم الضحك عليها أو التفاعل معها، وعدم التعامل بالمثل أو الاشتراك في صنع المقالب، والتقليل من شأنها إذا حدثت أمامنا، وعند اللزوم يجب أخذ موقف أكثر صرامة منها».

وتلفت خلف إلى أنه :«يبقى الإعتدال أمراً مطلوباً في كل شيء ولا سيما بالمقالب، لأن الأمر الذي من الممكن أن يربك علاقاتنا بأصدقائنا وأهلنا أو يعرض حياتنا إلى الخطر ليس سبباً للمرح أو السعادة، وفي المقابل تبقى المقالب الخفيفة التي لا تسبب الأذى لأحد، هي التي تصنع جواً جميلاً فكاهياً وتترك اثراً طيباً في قلوب الناس وذاكرتهم».

ويرى عدد من خبراء الصحة النفسية أن المقالب تعتبر من التصرفات التي تؤدي للأيذاء النفسي إذا زادت عن حدها وخرجت عن سياق المزحة الخفيفة.