وليد سليمان

من كتاب «نبض الشعراء» لمؤلفه أحمد يوسف الخواجا الصادر عن وزارة الثقافة الاردنية عام 2019.

«تقدم عنترة لخطبة عبلة من أهلها، لكن حارس البستان كان له رأي آخر!.

وهو هنا والد عبلة حارس بستان قلبها عمن يطمع به، فقد رفض والدها مالك ان يزوجها من عنترة بن شداد قائلا:

كيف أزوج ابنتي ذات الحسب والنسب والمال والشرف والغنى من عبد أسوَد فقير معدم الحال لا يملك لا جاهاً ولا منصباً!! وانتفض ابنه عمرو كذلك زائداً بتصغير عنترة ! ومذكراً إياه بوضاعة شأنه! لأن أمه كانت تلك العبدة الحبشية السوداء والمسماة زبيبة.. لكن عنترة كان يملك من الثقة بالنفس والاعتداد بها الشيء الكثير.

ويقول المؤلف الخواجا: وكأني انظر له وهو واقف كالليث على باب عبلة وأمام أشراف قبيلته يستمع بهدوء وصبر يحسد عليه للاهانات المتواصلة من والدها مالك وأخيها عمرو، بل ويتركهما عنترة يقولا كل ما في جعبتهما، وهو مصغ مطرق الرأس، حتى اذا ما انتهى مالك وابنه من مسلسل شتائمهما المتواصلة، رفع عنترة رأسه وصوَّب نظره الى مالك والى ابنه ثم الى بقية اشراف قومه، ثم انطلق زئيره المرعب بأبيات شعرٍ نزلت كوابل من الرصاص على رؤوس القوم لقوتها وشدتها في عِزةٍ وثقةٍ وشموخٍ وغرورٍ, لكنه الغرور الجميل بالنفس حين يدافع عنترة عن نفسه ?ينشد قائلاً:

حَكِّم سُيوفَكَ في رِقابِ العُذَّلِ

وَإِذا نَزَلتَ بِدارِ ذُلٍّ فَاِرحَلِ

وَإِذا بُليتَ بِظالِمٍ كُن ظالِماً

وَإِذا لَقيتَ ذَوي الجَهالَةِ فَاِجهَلِ

وَإِذا الجَبانُ نَهاكَ يَومَ كَريهَةٍ

خَوفاً عَلَيكَ مِنَ اِزدِحامِ الجَحفَلِ

فَاِعصِ مَقالَتَهُ وَلا تَحفِل بِها

وَاِقدِم إِذا حَقَّ اللِقا في الأَوَّلِ

وَاِختَر لِنَفسِكَ مَنزِلاً تَعلو بِهِ

أَو مُت كَريماً تَحتَ ظُلِّ القَسطَلِ

مَوتُ الفَتى في عِزَّةٍ خَيرٌ لَهُ

مِن أَن يَبيتَ أَسيرَ طَرفٍ أَكحَلِ

إِن كُنتَ في عَدَدِ العَبيدِ فَهِمَّتي

فَوقَ الثُرَيّا وَالسِماكِ الأَعزَلِ

أَو أَنكَرَت فُرسانُ عَبسٍ نِسبَتي

فَسِنانُ رُمحي وَالحُسامُ يُقِرُّ لي

وَأَنا اِبنُ سَوداءِ الجَبينِ كَأَنَّها

ضَبُعٌ تَرَعرَعَ في رُسومِ المَنزِلِ

قَد طالَ عِزَّكُم وَذُلّي في الهَوى

وَمِنَ العَجائِبِ عِزَّكُم وَتَذَلَّلي

لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ بَل

فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ

ماءُ الحَياةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّمِ

وَجَهَنَّمٌ بِالعِزِّ أَطيَبُ مَنزِلِ.

وعند ذلك ذُهِل القوم مما سمعوا، وعرفوا أنهم قد أيقظوا للتو مارداً عملاقاً من قمقمه، وإن لم يتداركوا الأمر فقد يفضحهم ويُصغرهم بِشِعره بين القبائل، فأقنعوا والد عبلة ان يعيد النظر في رفضه، واضعين خطة ماكرة لذلك.

اذ قالوا لمالك: أطلب منه ما لا يمكن لبشر جلبه كمهر لها، حينها سيعجز ويمل ويعود عن طلبه خطبة عبلة، ونكون أيضاً قد أمِنا شر لسانه وسياط شعره.

وبالفعل، بدأ والد عبلة في وضع العراقيل أمام زواج عنترة من عبلة.. لكن عنترة قرر أن يفديها بحياته وكل ما يملك.

وقصصه في ذلك جداً جميلة، منها انه أحضر مَهراً لها ألفاً من نوق الملك النعمان ملك الحيرة, وهي النوق المشهورة باسم (العصافير)، لشدة جمالها وغلائها وندرتها.. وقاسى عنترة في سبيل إحضارها الأهوال والصعاب حتى وصل الخبر لقبيلته انه قُتل، ولكنه عاد بها مظفراً فائزاً.

وكان عنترة كلما حقق مطلباً من مطالب والد عبلة عاجله ذلك الكهل بطلب آخر صعب.. لكنه تحدى هذا الفارس المقدام والشاعر الكبير كل المخاطر واعترف له الجميع بفضله وشجاعته حتى تزوج أخيراً من محبوبته عبلة.