أبواب - زياد عساف

«اللي يعيش ياما يشوف.. واللي يمشي يشوف أكثر »، كلمات رددها رجل كبير السن وهو يضرب كفا بكف لحظة مشاهدته لمجموعة من أطفال الشوارع ممن افتقدوا الرعاية الأسرية على عكس اقرانهم ممن توفرت لهم سبل العيش الكريم، وهي صورة من تناقضات الواقع وأشبه بحالة زوجين في طريقهما للمطار تسبقهما اللهفة والشوق بالوصول للبلد الأجنبي المنشود للمعالجة من العقم وانجاب مولود يحمل اسميهما مهما بلغت التكاليف، وعلى الجانب الآخر تصدر عناوين الصحف خبر يفيد بالعثور على طفل حديث الولادة ملقى بمكان مهمل تخلى عنه ذووه نتيجة علاقة غير شرعية، و?سباب أخرى تعكس حالة خطيرة ومقلقة تجتاح البلاد العربية مع تفاوت في العدد بين دولة وأُخرى،وشكَّلَت فيما بات يُعْرَفْ بظاهرة (مجهولي النسب) !.

ابن مين في المجتمع؟ ..

«مجهول النسب» عبارة ذكية شاملة لا تخلو من مراعاة مشاعر من تشملهم هذه الحالة إذ ليس جميعهم لقطاء، أي تم التقاطهم من الشوارع نتيجة علاقة غير شرعية، لأن منهم من تم خطفه من ذويه لأسباب عائلية كنوع من الانتقام، أو من قبل عصابة بهدف استغلاله للتسول، ومنهم من فقد ذويه بسبب الحروب، واّخرون تخلى عنهم ذووهم لخلافات زوجية، وعدم شعور بالمسؤولية من قبل الأب والأم، وجزء كبير منهم قد يكون معلوم الأم والأب ما زال ينكر أبوته خوفا على الاسم والمنصب من الفضيحة، وبانتظار حكم المحكمة الذي ينصف الأم بإثبات النسب ويعيد للابن اعت?اره.

السينما العربية تطرقت لهذه القضية منذ بداياتها، ومنها اعمال أشارت لها مباشرة من خلال عناوين الأفلام مثل: انا بنت مين 1952؟، غلطة أب 1952، غلطة حبيبي 1958، وداعا يا حب 1960، ست بنات وعريس 1968، ابن مين في المجتمع 1979؟، لا من شاف ولا من دري 1983.

تراجعت السينما الاّن مع طغيان الفكر الاستهلاكي ما يحول دون تنبيهها لهذه الظاهرة من منطلق الالتزام والمسؤولية خاصة مع بروز متطفلين كُثُرْ تصدروا الساحة الفنية، لدرجة ان من بين الفنانين وأبنائهم من وقع في هذا المحظور ورفض الاعتراف بابنه أو ابنته،وتم إثبات كذب ما يدعون من خلال المحاكم وساحات القضاء، وإذا كان من خدمة ممكن أن يؤديها هؤلاء فالأجدى أن تتحول قضاياهم هذه الى أعمال سينمائية عسى ان تكون عبرة للاّخرين.

دفاتر عتيقة..

«التاجر المفلس يفتش بالدفاتر العتيقة»، وفي الأرشيف العتيق للسينما العربية حكمة تتفق مع هذه المقولة وتسلط الضوء على أفلام طرحت هذه القضية، منها ما يعد من روائع الفن السابع في الوطن العربي وتدرَّس لغاية الاّن في معاهد السينما، ومن الممكن الاستفادة من هذه التجارب كخطوة للنهوض من حالة (الإفلاس) السينمائي الحالي، في الوقت نفسه انتجت السينما أعمالا دون المستوى وإعادة تقييمها فيه من الفائدة لصناع السينما الحاليين لتلافي هذه الضاّلة الفكرية في الرؤية السينمائيه لهذا النوع من الأعمال.

يمكن تقسيم الأفلام المتعلقة باللقطاء ومجهولي النسب الى فئتين، الأولى مستمدة من واقع البيئة الريفية والأحياء الشعبية التي تعاني الفقر والجهل والحرمان بكافة أشكاله، والفئة الثانية من أبناء المدينة أو من على شاكلتهم رغم أنهم نالوا حظا وافرا من التعليم والاكتفاء المادي.

إدانة..

«الحرام» عمل سينمائي تم تصنيفه كواحد من أهم مئة فيلم عربي انتاج عام 1965، ويعتبر مثالا حيا ومعبرا عن الفئة الأولى المسحوقة وتصدرت بطولته سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة في دور (عزيزة)، ويبقى الفيلم الأهم الذي تطرق لقضية الإبن اللقيط غير الشرعي، ويحكي قصة عزيزة سيدة تعيل أبناءها وزوجها المريض بالبلهارسيا، والتحقت للعمل في جني المحاصيل مع عمال (التراحيل)، أي من يتنقلون للعمل في جني المحاصيل بالأرياف والقرى المصرية مقابل أجور زهيدة، وتتعرض عزيزة للاغتصاب من قبل أحد شبان القرية وتخفي حملها، ولحظة المخاض تلجأ لل?لوس تحت شجرة في مكان بعيد عن أعيُن المحيطين، وكان بحق من أروع مشاهد السينما العربية، وتكمن روعته ان تعبير الألم في ملامحها لم يكن بسبب وجع المخاض، وإنما الألم الذي مبعثه الشعور بالقهر والظلم والخوف من العار، والنتيجة ان المجتمع الذكوري أدانها وهي الضحية، وأدانت هي نفسها وهي تردد مقهورة «اعمل ايه..الشيطان كتِّفني !»، نظرا لطبيعة المجتمع الذي يدين المرأة لا محالة حتى وهي مظلومة، وكانت النتيجة أن كتمت أنفاس المولود للأبد خوفا من وصمها بالعار، وتوفيت على إثرها بحمى النفاس.

«وين هنادي يا مَّاي !..»

«دعاء الكروان» من روائع الدراما السينمائية إنتاج عام 1959 عن رائعة الأديب طه حسين ، وهو عمل اخر يضاف لإنجازات فاتن حمامة وفي دور (اّمنة) هذه المرة التي تسعى للثأر لشرف اختها هنادي (زهرة العلا) الخادمة والتي حملت من المهندس الأعزب الذي تعمل عنده بعد ان اعتدى عليها، والنتيجة ان حملت منه جنينا في أحشائها لتقتل على يد خالها لغسل العار والجاني اّخر من يحاسب، ولروعة هذا العمل علق في ذهن الجمهور صرخة فاتن حمامة وهي تخاطب أمها بحس المرأة المقهورة على اختها (وين هنادي يا اماي !).

من الأعمال القيمة أيضا والتي تصدت لطرح قضايا الأبناء غير الشرعيين فيلم (احنا التلامذة) 1959 اخراج عاطف سالم وتأليف محمد ابو يوسف، سيناريو وحوار الأديب العالمي نجيب محفوظ، و(البوسطجي) للكاتب يحيى حقي انتاج 1968، و(حارة برجوان) 1989 تأليف اسماعيل ولي الدين وكلاهما للمخرج حسين كمال، وفي السنوات الأخيرة قدم المخرج خالد يوسف هذه الظاهرة التي باتت تجتاح العشوائيات أيضا بفيلم: حين ميسرة 2007، و(كلمني شكرا) انتاج عام 2010، يتضمنها رسالة تحذير مفادها أن مجهولي النسب قنابل موقوته وسلاح خطير بيد الإرهاب.

اللقيط..

ومن تونس هذه المرة جاء فيلم (اللقيط) انتاج عام 2013 للمخرج نجيب بلقاضي، وحاز على عدة جوائز في مهرجانات دولية ويعتبر نقلة في سجل الأفلام التي تطرح معاناة اللقطاء، وتتجسد في شخصية (محسن) الذي وجدوه في سلة قمامة وتبناه رجل طيب يعيش في حارة شعبية وعشوائية تحكمها سيدة متسلطة وابنها ويسيطران على سكان الحي، وبعد أن يكبر محسن يشكِّل شبكة اتصالات يستخدمها أهل الحي ما يؤهلهم للتواصل مع خارج الدائرة التي يقيمون بها وبالتالي تخطي حاجز بوابة الحارة التي تسيطر عليها السيدة المتسلطة لدرجة أن الدخول والخروج بقرار منها، وي?دو هنا بطلا شعبيا مخلصا محبوبا من الناس قبل أن تتملكه شهوة السلطة فيما بعد.

«ليلة غرام..»

اعمال كثيرة قدمتها السينما من واقع المجتمعات الشعبية والفقيرة أيضا، مع تباين في مستوى الأعمال ومنها ما أخذ الطابع التقليدي التجاري، ويحكي قصة فتاة يغرر بها شاب وينكر فعلته وأبوته للمولود، وتتطور الأحداث لتصل لنهاية سعيدة على الأغلب تضمن رضى الجمهور، واستعادة أموال المنتج ونسبة عالية من الأرباح، ومن هذه الأفلام: (ليلة غرام) انتاج عام 1951 عن رواية (لقيطة) للكاتب محمد عبد الحليم عبدالله، (ليلة الحنة) 1951، (دهب) 1953، (موعد مع السعادة) 1954.

في عودة لهذه السلسلة من الأعمال لا بد ان يستوقفنا فيلم (الأرض الطيبة) انتاج 1954، كونه يحمل دلالة سياسية رغم ان موضوعه تقليدي، تؤدي فيه مريم فخر الدين دور (سعديه) وتقيم مع خالها في عزبة رجل ثري (حسين رياض) وهو ابوها في الحقيقة ولكنه يخفي عنها ذلك لاعتبارات اجتماعية، وقبل وفاته يكتب لها كل مايملك وتبادر هي بتوزيع الأراضي على الفلاحين ترويجا لفكرة قانون الإصلاح الزراعي الذي أقره جمال عبد الناصر تلك الفترة.

أسرة بديلة..

«العذراء والشعر الأبيض» نموذج للأفلام التي تطرقت لقضايا مجهولي النسب الفئة الثانية من ساكني القصور، والذين ينتمون للأسر المتعلمة والميسورة ماديا ومن سكان المدن على الأغلب، وأهمية الفيلم أنه يطرح قضية الأسرة البديلة المتبنِّية لمجهولي النسب كحل انساني لهذه القضية، وعبر أسرة غنية من سكان القاهرة، الزوجة (نبيلة عبيد) لا تنجب فتقرر بالاتفاق مع زوجها (محمود عبد العزيز) بتبني طفلة (شريهان)، وبعد احداث كثيرة متوقعة بمثل هذه الحالة، ترتبط الفتاة بعد ان تكبر بشاب متعلم ومتحضر يتفهم ظروفها ويحبها بعيدا عن حقيقة أصول?ا، وينتهي الفيلم بنهاية مفتوحة أثناء الزفاف تدعو للتفاؤل ويقول الأب: يا هل ترى حيسمح لها تكمل تعليمها؟، وتعلق الأم: يا هل ترى بعد تسعة شهور حتجيب ولد ولا بنت !.

خطايا..

وضمن سياق الحديث عن الأسر البديلة في تبني مجهولي النسب لا بد من العودة الى عام 1962، واستعادة مشاهد واحداث فيلم الخطايا، في هذا العمل تألق عبد الحليم كممثل في مشهد مصارحة الأب عماد حمدي له بأنه لقيط وتبنوه من الملاجيء، وسر هذا التألق ان حليم يتيم الأم والأب في الحقيقة منذ صغره، الملاحظات المهمة حول الفيلم ان الأب ورغم انه من سكان مدينة القاهرة في أرقى الأحياء ومحامي ناجح، الا انه يعود للتقاليد الريفية والقروية المحافظة التي ينتمي اليها بالأساس ويرفض ان يتزوج الإبن اللقيط من زميلته في كلية الهندسة (نادية لط?ي)،ويريد ان يزوجها لابنه من صلبه (حسن يوسف) حسب التقاليد القديمة المتبعة ولم يتجاوزها علم أو جاه، كان من الممكن ان يكون هذا العمل مؤثرا على الصعيد الاجتماعي، إلا ان رؤية المخرج حسن الإمام وقعت في مطب الحس التجاري في كسب ود الجمهور وتحقيق عائد مالي، وذلك في اللحظة التي ارادت من خلالها الأم ان تصارح الزوج انه ابنها في الحقيقة من رجل آخر وليس لقيطاً وقد أخفت عنه ذلك، في هذه اللحظة يعود حليم كإشارة لمنعها من هذه المصارحة التي قد تدمر الأسرة، وكان الأجدى المواجهة الصريحة لتسليط الضوء على معاناة مجهولي النسب واي?اد الرؤى المنطقية في وضع حلول مناسبة، وعلى العكس كانت النهاية السعيدة التقليدية التي يعرفها كل من شاهد الفيلم.

تحوُّلْ..

اسم عاطف الطيب كمخرج دفع الجمهور وعلى امتداد الوطن العربي إلى الذهاب لصالات العرض لمشاهدة أعماله التي كسبت ثقة المشاهدين مسبقا نظرا لتبنيه رسالة ملتزمة في كل ما قدمه من أعمال، وقضية مجهولي النسب كانت من المواضيع التي تصدى لها باقتدار ورؤية ثاقبة عبر فيلم (ضد الحكومة) عام 1992، من خلال شخصية المحامي العابث والمرتشي مصطفى خلف (احمد زكي)، الى ان يلتقي بابنه الوحيد الذي تعرض لحادث سير ونجم عنه اعاقة، وسبق ان اخفت عنه مطلقته ان له ابنا، من هنا وبعد لم الشمل يحدث تحول في شخصيته ويعود للدفاع عن ضحايا حوادث السير جراء ما تعرض له ابنه، بعد ان كان يستغل هذه القضايا لمصلحته الشخصية.

وضمن هذه الشريحة من الناس التي لم يحل العلم والمال والشقق الفاخرة من وقوعهم في إشكالية مجهولي النسب،قدمت السينما مجموعة من الأفلام المتباينة في مستواها الفكري والفني أيضا ومن بينها:

وداعا يا حب 1960، رسالة من امرأة مجهولة 1962، نغم في حياتي 1974، العذاب امرأة 1976 وكل هذا الحب 1988.

حقائق..

التأمل في مضمون ما سبق من أعمال سينمائية يشير للعديد من الحقائق والملاحظات على الصعيد الاجتماعي والسياسي العربي، واهمها ان الأسباب المؤدية لتنامي هذه الظاهرة حرمان المرأة من التعليم وسيادة الجهل في العديد المناطق وتنامي ظاهرة الطبقية بين أسياد وعبيد في الأرياف والقرى على الأغلب لدرجة الاستغلال الجسدي للمرأة المُجهَّلة والفقيرة، وسيادة المنطق الذكوري الذي يحاسب المرأة ويدينها على عكس الرجل الذي لا يُسأل عن فعلته في أغلب القضايا، وتحديدا قبل التطور العلمي الذي بات يكشف الأب الحقيقي وينصف الكثير من النساء فيم? بعد.

غياب الوازع الديني لدى كثيرين ممن وقعوا في هذا الجرم قياسا بفترة الخمسينيات والستينيات، والسينما العربية كشفت ذلك من خلال المكان الذي يوضع به الطفل الضحية، في الأفلام القديمة وعبر مشاهد كثيرة يوضع الطفل أمام مسجد على أمل ان يتبناه أحد الصالحين، أو أمام دار للأيتام أو على عتبة بيوت احد الميسورين، أما الاّن يتعثر به الناس في اماكن تجمع القمامة على غرار الفيلم التونسي (اللقيط)، أو دورات المياه ما يعني التراجع في قدسية مشاعر الأمومة، وسطوة الجهل والتقاليد على معاني الإنسانية السامية.

إصدار قوانين

رغم هذا الكم من الأعمال السينمائية لم يفلح أي فيلم بدفع السلطات إلى اصدار قانون ينصف هذه الفئة من الناس الذين عانوا من نظرة المجتمع القاسية لهم جراء ذنب لم يقترفوه، والحقيقة التي يجب مواجهتها أن حال السينما العربية تراجع للأسوأ في طرح هذه القضية الإنسانية، وبدلا من أن تساهم بحل قضية اللقطاء وأطفال الشوارع، فرضت على الجمهور عوضا عن ذلك افلاما متدنية المستوى عناصرها فكرة لقيطة لكاتب مدعٍ، يموُّلها رؤوس أموال مجهولة النسب لا تخلو من نوايا مبيّتة لإجهاض مشروع ثقافي عربي تشكَّلت ملامحه مع بداية الخمسينيات ووأد ?بل أن يزدهر ليحمي المجتمع من هذه الظاهرة الدخيلة وغيرها .