أبواب - تالا أيوب

«بالرغم من عدم متابعتي لولدي الذي يدرس في الصف الخامس الأساسي الا أنني أمسكت بأحد دفاتره المدرسية وتصفحته، فصدمت بمستوى خطه الرديء، واستعجاله بأداء ما تطلبه معلمته منه دون الاهتمام بمستوى الترتيب والخط الجيد، فلمته كثيرا، وسألته عن واجب النسخ، فأجابني :أنه نادرا ما يُطلب منهم هذا الواجب أي بمعدل مرة أو مرتين شهريا ولا يتعدّى فقرة أو فقرتين، فطلبت منه أن ينسخ ثلاث فقرات باللغتين العربية والانجليزية بشكل يومي ليستفيد منه، كما اعتدت أثناء دراستي الابتدائية قبل 30 عاما».. بهذه الكلمات عبّر كمال بيروتي لـ«أبواب?- الراي» عن تجربته مع ابنه فيما يتعلق بواجب النسخ وأهميته والتخفيف منه عند مقارنته بالسابق.

كثير من الآباء والأمهات يميلون الى طريقة التدريس القديمة، كأن ينسخ الطالب درسه بأكمله، وأحيانا يكرر نسخه أكثر من مرة؛ لما له من فوائد عديدة، وفي المقابل يخالف أهالي آخرون ذلك الرأي في ظل التطور التكنولوجي والتعليمي.

تقول ديانا عياش -وهي أم لأربعة أبناء-: «كنت أكره واجب النسخ عندما كنت في المرحلة الابتدائية اذ كان يقترن بالعقاب آنذاك، واستمر رفضي له إلى الآن، ولكن ليس هذا السبب الوحيد لعدم استساغته، وإنما نحن في زمن تطور التكنولوجيا ووسائل التعليم، فقد اختلف شكل الكتابة وتغيرت طريقته، فالطالب عندما يكتب الكلمة على جهازه الذكي من هاتف محمول أو «لاب توب» أو «آيـباد» فإن ذلك يعد كتابة بالرغم من عدم استخدامه للقلم والورقة، وبالتالي يحصل على الفائدة المرجوة، بالإضافة الى وجود خيار تصحيح ذاتي للكلمة، وبالتالي يستفيد الطالب م? ذلك في معرفة كيفية كتابتها الصحيحة دون جهد أو عناء».

تخالف سكينة مفلح - وهي معلمة لغة عربية في مدرسة خاصة للإناث- رأي عياش، وتبين أن واجب النسخ ما يزال مهما في المرحلة التعليمية لما له من فوائد عديدة، تذكر بعضها بقولها: «إن الهدف من واجب النسخ هو تحسين مستوى خط الطالب، وتنمية احساسه بالتهجئة الصحيحة، ويمكّنه من بعض القواعد الإملائية، وتنفيذ الفكرة، كما يفيده في التدريب على الترقيم أي وضع النقط والفواصل وعلامات الاستفهام وعلامات التعجب وعلامات الاقتباس وغيرها (...)، ويعزز ما تعلمه الطالب من مفردات وتراكيب».

وتلفت مفلح الى أنه: «من الضروري أن يكون النسخ بالنوع لا بالكم، كأن نحدد فقرة مناسبة تطبق قاعدة معينة ككتابة الهمزة بأشكالها المختلفة، فنختار فقرة معينة تكثر بها الهمزات كي تطبق الطالبات المهارة ويتقنَّها».

وتشير الى وجوب اختيار فقرات تناسب فئات الطالبات العمرية، وأن لا تكون مرهقة، وأن تكون مادة قرائية مألوفة لديهن، أي يستطعن قراءتها، فمثلا تطلب من طالبات الصف السابع أن ينسخن فقرة مكونة من سبعة أسطر، ولكنها تطلب من طالبات الصف الرابع أن ينسخن ثلاثة أسطر فقط.

وتلفت إلى أن كثيرا من الطالبات لا يميزن بين كتابة التاء المربوطة والمفتوحة، وكتابة الشدة، واللام الشمسية والقمرية، بالاضافة الى الحركات لعدم وجود واجب النسخ أو قلته كأن يطلب منهن مرة أسبوعيا ويقتصر على بضعة أسطر.

تفضل سحر حسين - وهي معلمة لغة عربية- اختيار فقرة بسيطة مكونة من سطرين مثلا للنسخ، كي يتقنها الطالب ويكرر نسخها مرتين فقط؛ لأن الهدف هو تحسين الخط والكتابة بطريقة صحيحة، وأن يرسم الحرف على المكان المخصص له من السطر، فالنوع هو الذي يخدم تحقيق الهدف وليس الكم، فمن خلال تجربتي مع الطلبة فقد كنت ألاحظ عند نسخهم الدرس كاملا بأنهم يحافظون على ترتيب الخط واتقانه في بدايته، بينما يقل ترتيب الأسطر في نهايته بسبب تعب عضلة الكف لديهم ومللهم.

وتقول حسين أنه: «يجب التركيز على ترتيب الدفتر بشكل عام أفضل، فعند حل الأسئلة، وكتابة المطلوب عند الشرح على الدفتر نحقق هدفين كتابة المطلوب والنسخ بوقت واحد وبالتالي لا يوجد داعٍ للنسخ، كما من الضروري توجيه الطلبة بشأن الكيفية السليمة لمسك القلم، ومراقبتهم للتأكد من سلامة عاداتهم؛ لأن غياب التوجيه قد يؤدي الى ظهور عادات كتابية غريبة».

تبين المستشارة التربوية الدكتورة أمينة حطّاب: «واجب النسخ كان من الفروض اليومية على الطلبة بداعي تحسين الخط، وترتيب الصفحة، واتقان الإملاء»، وتكمل: «رغم ذلك نجد أن خطوط واملاء السواد الأعظم من الطلبة سيئة، الا من رحم ربي، ويعزى ذلك الى أن طريقة تعلّم رسم الحروف لم تكن صحيحة، وقد كرّرها الطلبة بشكل آلي فلم تتحسن الخطوط لديهم، ولا الإملاء، فالأصل تعلّم المهارة بشكل صحيح، ثم تكرارها لتصبح آلية الاستخدام».

وتعتقد حطّاب أن: «واجب النسخ لم يؤدِ الدور المطلوب منه، ناهيك عن التطور التكنولوجي الهائل فأصبحت الكتابة على الهواتف الخلوية أو على أجهزة الحاسوب من ضروريات التواصل مع الآخرين داخل المدارس وخارجها، لذلك يستغني المعلمون عن هذا الواجب أو يقللون كميته».

وتخلص حطّاب الى أنه: «من أهداف التربية والتعليم تعليم الطلبة طرق التواصل مع الآخرين، واحترام الرأي الآخر، والقدرة على التفكير السليم، والاستنباط، والاستقراء، وحل المشكلات، والبحث عن الحلول الابداعية، واتخاذ القرار الصائب، وتحمّل مسؤوليته، والانتماء لمجتمعه وأمته، لذلك لا بد من إيجاد طرق واستراتيجيات تدريسية تناسب هذه الأهداف من جهة، والتطور المعرفي والتكنولوجي من جهة أخرى، ولا نجد لواجب النسخ مكانا فيها، فالأولى إعطاء الطالب واجبا بحثيا يجد فيه المعرفة، ويحوكمها بطرق علمية ليصل إلى الحقيقة التي تقنعه، وتحترم تفكيره، وتنمي مهارته وقيمه».