تعتبر «إربد» المدينة الثانية في المملكة، بعد العاصمة الأردنية عمان، كما حلب في سوريا وطرابلس في لبنان والاسكندرية في مصر والموصل في العراق، وهي «عروس الشمال» التي شاخت الآن حتى صار من الممكن ان ندعوها «عجوز الشمال»، بسبب نموها العشوائي الفوضوي واكتظاظها السكاني الكثيف، واختفاء طابعها التقليدي المحبب، وفقدها لملامح وجهها الحقيقي، ولكن صورتها تلك ما تزال معلقة في القلوب ولمحاتها تلك ما تزال في عمق الذاكرة، لدى جميع أبنائها من مختلف الأجيال.

واذا كان المقصود من تسمية إحدى مدن المملكة مدينة للثقافة العربية، وعلى غرار ما التزمت به الدول الأعضاء بمنظمة المدن العربية، أن تكثف الجهود في السنة المخصصة، لتحديد معالم الخصوصية الثقافية العربية للمدينة المسماة وتوضيح هويتها، وتفحص ذخيرتها من الأفكار والقناعات والممارسات والعادات والأعراف والتقاليد التي تميزها على الصعيد العربي، وتعمل على تطويرها لتواكب العصر، وتنقيتها من الأوهام وصيانتها من التشويه.

فإن في عام اربد مدينة للثقافة العربية، يقتضي الأمر أن نبحث في ثقافتها، وهي الحاضرة في التاريخ العربي والاردني، حتى وصلت إلى هذه الصيرورة الحضارية التي تتمتع بها الآن، وهي تعج بالجامعات والمعاهد والمدارس، وكذلك الأندية والجمعيات والروابط الثقافية والرياضية والفنية المتنوعة.

وهي تتطلب في عامها الثقافي القادم النظر بعناية لما يتعرض له الشباب والجيل الجديد عموما من مؤثرات الثقافة العالمية عبر وسائل الاتصال الحديثة، والذي لا ننكر تأثيره الايجابي في اغناء المعرفة الذاتية للشباب.

لكن هناك ما يمكن أن نسعى لدرئه مما يؤثر على ثقافتهم العربية بخصوصيتها وهويتها، حتى في المأكل والملبس والشعور بالانتماء والمسؤولية الاجتماعية، مما نهدف إلى تعزيزه وتنميته لدى الشباب العربي عامة والأردني خاصة، ومنه جزء كبير في حاضرة الشمال التي ستعلن في العام القادم مدينة للثقافة العربية.

وهي التي لم يقع الاختيار عليها لتكون كذلك الا لما لديها من مخزون ثقافي غني هائل ومعالم ثقافية جميلة واضحة وتنوع ثقافي منسجم ومتفاعل، اذ كانت اربد دوما تشرع بابها الكبير للتدفق الواسع من الأشقاء العرب والأخوة المجاورين والقريبين، وما زالت تفسح المجال لانصهار هؤلاء واندماجهم في ثقافة المدينة وسبل انتاجها ومفاعل تقدمها وازدهارها، حتى اصبحوا يتكلمون لغتها ولهجتها ويعملون في سياقاتها ومواقع انتاجها، ويلتحقون برياض اطفالها ومدارسها وتستوعب جامعتها «جامعة اليرموك» بالاضافة الى «جامعة العلوم والتكتولوجيا» ابنائهم ذكورا واناثا وفي مختلف التخصصات العلمية والأدبية.

وكما لمست في اجتماع لخبراء ومثقفين استضافته «هيئة اعمار اربد» ضمن حدائق الملك عبدالله الثاني الخضراء الغناء، هذه الهيئة التي تسابق الزمن من اجل تطور المدينة ودعم مرافقها، ان المدينة بما فيها من كتلة متحمسة للعمل الثقافي والانجاز الحضاري، تتخذ الترتيبات وتؤطر للاجراءات على نار هادئة وفي مسالك مأمونة وبحكمة مضمونة، لتزدهي اربد بكونها مدينة الثقافة العربية ولتمضي قبل ذلك وبعدها لتبقى عروس الشمال ولود ثقافة وثقة ومحبة.

dfaisal77@hotmail.com