أبواب - طارق قديـس

«فرنسا متْحفٌ مُتنقِّل» عبارة ربما تُغَلِّفُها المُبالغة في نظر الكثيرين، لكن تجربةَ السَّفر إليها كفيلةٌ بإثبات دقَّتها وصحَّتها، فزيارةُ الأماكنِ المألوفة وحدَها كفيلةٌ بأن تُثريَ العقلَ والعينين بالمعرفة والجمال، وأن تُوضِّحَ السبب الذي جعل منها مَحَجًّا لكبار المثقفين العرب في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

صعودُ برج إيفل، الذهاب إلى متحف اللوفر، التجوُّل في شوارع المونت مارت والحَيِّ اللاتيني، الإبحار في نهر السين، السَّيْر في المكان الذي سار َ فيه أحدب نوتيردام في كاتدرائية المدينة الشهيرة، التقاط الصور في قصر فيرساي. كُلُّها أماكنُ يَأْلفُها زائرو فرنسا ويضعونَها على رأسِ أولوياتهم. وهي أماكنُ يَتَوَهَّجُ فيها السِّحرُ والإبْهار، ومن الصَّعْبِ أن يُفارِقَ أثرُها بَصَرَ الرائي، وألا يَمُرَّ عليها أيُّ إنسان تطاُ قَدَماهُ ذلك المَكان. وحتى تكون زيارةُ ذلك المتحفِ المتنقِّل – أي فرنسا – استثنائيَّةً يجب البحث? عما هو استثنائي في تلك النواحي. ولعلَّ من أجمل الأماكن التي يُمكِنُ أن تُضفي نوعًا من التَمَيُّز على تلك التَّجْربة زيارة منزل الرَّسام الفرنسي كلود مونيه (1926-1840)في قرية غيفرني، والنُّزل الأخير الذي سكن فيه الرَّسام الهولندي فينسنت فان غوخ في بلدة أوفير سير أوز شمال فرنسا (1890-1853)، خاصةً وأن كلا الرَّسامينِ ينتمي إلى المدرسة «الانطباعية» في الرَّسم، وإن كانَ فان غوخ قد طَوَّر في تفاصيلِ المَشاهدِ ضمنَ لوحاتِهِ المختلفة أَهَّلَتْهُ لأن يُصَنَّفَ ضمنَ رَسّامي المَدْرَسَةِ «ما بَعْدَ الانطباعية».

هناكَ في الشمالِ الفرنسيِّ يُمْكِنُ للزائرِ أن يُمَتِّعَ عينيه بالتَّناقُضاتِ الحياتية لرَسّامين قد تَقاطَعا في الرَّسم واختلفا في سُبُلِ الحيَاة، أَحَدُهُما قد نَهَلَتْ ريشَتُهُ من بَحبوحَة العيش، والآخرُ لولا تَكَفُّلُ أخيه بمصاريفِهِ مُدَّةَ حياتِهِ لما عَرَفَتْ يُدُه طريقًا للإمساك بريشَةٍ في يومٍ من الأيام. ففي غيفيرني تَفَجَّرَتْ إبداعات صاحب لوحةِ «انطباع شروق الشمس» المُقْتَدِر مادِّيًّا عن لوحاتٍ فنيَّةٍ بديعة حاكَتِ الطبيعة الخَلّابَةَ، خاصَّةً وأن منزِلَهُ يَقَعُ على جَدْوَلٍ مُتَفَرِّعٍ من نهر ?لسين، وقد قام بتأسيس حديقتين على جانبي النَّهر تَعُجّان بشتّى أنواعِ الأزهارِ،تُدعى إحداهُما بالحديقة اليابانية، وعمل على تنسيقِهِما بنفسه، حيث وَجَدَ هناك الراحَةَ النَّفْسِيَّة والإلهامَ لكثيرٍ من أعماله التي طَغى عليها اللونُ الأحمر نتيجَةَ إعتام في عَدَسَةِ العين، فيما بَقِيَ البيتُ حَيًّا بتفاصيلِهِ ولوحاتِه المُعَلَّقَةِ على جُدْرانِ الغُرَف، وألوانِها البرّاقة بأثاثِها الأنيق المميَّز، والتي تَتَصَدَّرُها غرفَةُ الطَّعام بلونِها الأصفر.

هذا في غيفيرني، أما في أوفير سير أوز، تلك البلدة الجميلة في شمال باريس التي احتضتْ فان غوخ في الأيّامِ السبعين الأخيرةِ من عُمْرِهِ، وألهَمَتْهُ حقولُها بالكثيرِ من الأفكار، فالمَشْهَدُ مُختلف! فالنُّزل الذي سكنَ فيه هو مُجَرَّدُ مبْنىً صغيرٍ لا يُوحي بأنَّ شخصيةً مشهورةً قد انتهتْ إليه يوماً ما. تملؤُهُ الأشجارُ، ينقسمُ إلى ثلاثةِ مَبانٍ مُتَفَرِّعَةٍ: الأيسر - وهو الأصغر - مُخَصَّصٌ لبيع التذاكر، الأوسط استراحة طولية لبيع المشروبِ الفرنسي بأنواعِهِ، الأيمنُ نُزُلٌ مُكونٌ من ثلاثة طوابق. في الممر الخارجي ?لنُّزل توجدُ شَواهِدُ مُوزَّعةٌ على الجُدران، أحدُها كُتِب فيه ما يختصرُ حياةَ الرَّسام وقَساوَتَها: «في عامِهِ الـ 37 بلغ عدد العناوين التي سَكَنَ فيها فنسنت فان غوخ 38 عنواناً في هولندا، بلجيكا، إنجلترا، وفرنسا. الغرفة رقم 5 لم يَلْمَسْها أحدٌ منذ وفاته عام 1890. وباعتبارها «غرفة انتحار» لم يتم تأجيرها مُجدَّداً. الفراغ وَحْدَهُ يَسُكًنُ المَكان، ولا يُوْجَدُ هناك ما يُمْكِنُ مشاهَدَتُهُ، ولكن يُوْجَدُ الكثير مما يُمْكِن الشعورُ بِه في مساحة 75 قَدَماً مُرَبَّعاً (ما يُعادلُ 7 أمتارٍ مُرَبَّعَةٍ). الغُرْ?َةُ تم إدراجُها كمَعْلَمٍ تاريخي في عام 1985».

هذا من الخارج، أما الداخل فيَحْوي مُوَزِّعًا صغيرًا يُفْضي إلى غُرْفَةِ استقبالِ الزوار، ومَعْرَضًا صَغيرًا لبيع اللوحات الفنية والكُتِبِ المتعلقة بِحياتِهِ، يُمكنُ الصعودُ منهُ إلى الطابقِ الثاني عبر دَرَجٍ داخلي نَصِلُ من خلالِهِ إلى ثلاثِ غُرفٍ عُلوِيَّة صغيرة، إحداهما الغرفة التي قطنَ فيها الرَّسامُ أيامَهُ الأخيرة، وهي غُرفةٌ لا مكانَ فيها للأثاث، الجُدرانُ مَطْليَّةٌ باللونِ الأبيض، وتَملؤُها الشقوق. الجدارُ الأيمن فيها مَحروسٌ بواجهةٍ زجاجية، وقد بَدَتْ بارزةً عليه آثارُ المساميرِ التي استخدمها آنذا? لتعليق لوحاته بها.

رغم أنَّ المَكانَ لا يحتوي على جِدارِيّاتٍ جميلةٍ أو طَبيعَةٍ تَستَفِزُّ العيون، إلا أنَّ هالةً من الرَّهبة والأحاسيسِ تُلقي بِظلالها عليه، وبَساطَتُهُ تَختصرُ المسافةَ الزَّمنية بين الزائر لهُ وبينَ صاحبِ لَوْحَة «زَهْرَةِ الخُشْخاش» و«آكِلو البطاطا» و«الكنيسة في أوفيرس».

الوُجود في هذا المتحف المُصَغَّر، وحديقة مونيه لا بدُّ أن يكونُ له وَقْعٌ مميزٌ لمن يرتادُ فرنسا بهدف اكتشاف مَعالمِها وعَوالِمِها البديعة، عَوالمِها المكتَظَّةِ بِتَناقُضاتٍ أفْرَزَتْ للبَشَريَّة عملاقين من أبرز عَمالقَةِ الفنِّ في التاريخ المعاصر، وهي التي أَثَّرَتْ بحَضَرِها وريفِها فيهِما أيَّما تأثير، حيث لم يَكْتَفِ فان غوخ بتخليدِها في رُسوماتِهِ فقط، وإنما في رَسائِلهِ كذلك حين قال عن باريس وفرنسا ما يختزِلُ تأثيرَهُما وما يحوِيانِ من جاذِبِيَّة في مقطعٍ من رسالتهِ إلى هوراس مان ليفانس عام 1886: » ?اريس هي باريس، وما في الدُّنيا سواها، ومهما تفاقمتْ صِعابُ العيشِ هنا، ولو اشتدَّتْ سوءًا وقَسْوَة، فإنَّ نَسيمَ فرنسا يطرُدُ من رَأسي الغَمام، ويَجودُ عليَّ بالفائِدة، عَظيمِ الفائدة». ولا يُمكنُ لأحدٍ أن يُنْقُدُهُ في ما كَتب.