عواصم - أ ف ب

أحيا اللبنانيون امس الذكرى السادسة والسبعين لاستقلال الجمهورية، وسط أجواء احتفالية وحماسية لم تعهدها هذه المناسبة الوطنية سابقاً، يحدوهم الأمل باستقلال جديد، على وقع الاحتجاجات غير المسبوقة التي تعم البلاد منذ أكثر من شهر مطالبة برحيل الطبقة السياسية.

وبينما اقتصر الاحتفال الرسمي على عرض عسكري رمزي في مقر وزارة الدفاع، ملأ عشرات الآلاف من اللبنانيين وبينهم مغتربون عادوا خصيصا للمشاركة في الذكرى، الشوارع. ونظموا في وسط بيروت عرضاً مدنياً بعد وصول مسيرات من مناطق عدة رافعة الأعلام اللبنانية ولافتات تطالب بمحاسبة الفاسدين وبحياة كريمة.

وانتظم المتظاهرون في مجموعات متعددة في ساحة الشهداء في بيروت، عمال ومهندسون وأطباء ومدرسون وطلاب وأمهات وبيئيون وموسيقيون. وتقدّم كل مجموعة حملة الرايات. وسارت المجموعات تباعاً أمام الجمهور الذي احتشد على ضفتي شارع تم استخدامه كمنصة على وقع التصفيق وأغان وطنية.

وقالت جلنار مخيبر (16 عاماً) «أهمية ما يحصل هو أن لبنان يتوحد مجدداً. ينسى اللبنانيون اليوم سنوات الحرب الأهلية ويتابعون ولادة لبنان الجديد».

وتابعت «عرض الاستقلال المدني هو للتأكيد على أنه من حق كل مواطن المشاركة فيه» بعدما كان يقتصر منذ عقود على العسكريين وأركان السلطة.

ووصل كارل في الأربعينات) الى ساحة الشهداء بثياب رياضية على دراجته الهوائية التي زينها بعلم لبنان. وقال بفخر «كلنا هنا يد واحدة لنبني لبنان الجديد».

ونال لبنان في 22 تشرين الثاني 1943 استقلاله عن الانتداب الفرنسي منذ العام 1920، قبل أن يتم جلاء آخر القوات الفرنسية من البلاد في العام 1946، ليشكل ذلك آخر محطة يجمع اللبنانيون على رواية موحدة لها.

وجراء الانقسامات السياسية الحادة منذ قيام الجمهورية، لا يتفق اللبنانيون على رؤية موحدة للأحداث الكبرى التي طبعت مسار الحياة السياسية على مدى عقود، لا سيما الحرب الأهلية (1975-1990) التي تربع العديد من أمرائها على مقاعد السلطة، ويطالب المتظاهرون اليوم برحيلهم.

في موازاة الأجواء الاحتفالية في بيروت، أقيم صباحاً (امس) عرض عسكري مختصر في مقر وزارة الدفاع قرب بيروت، بمشاركة رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة المستقيل تحت ضغط الشارع سعد الحريري، إلى جانب عدد من الوزراء وقادة عسكريين وأمنيين.

ويشهد لبنان منذ 17 تشرين الأول تظاهرات غير مسبوقة بدأت على خلفية مطالب معيشية. ويبدو الحراك عابراً للطوائف والمناطق، ويتمسك بمطلب رحيل الطبقة السياسية بلا استثناء، إذ يأخذ عليها المحتجون فسادها ويتهمونها بنهب الأموال العامة.

وأجمع العديد من المتظاهرين على أن لعيد الاستقلال نكهة خاصة هذا العام. وقال وجد عواد (28 عاماً) «نريد أن نأخذ استقلالنا من سلطات فاسدة تتحكم بنا منذ سنوات وسنوات».

واعتبر أن ما شهده الشارع اليوم هو «انتصار» حقيقي للمتظاهرين الذين ملأوا الساحات والشوارع خلال الأسابيع الماضية، وتمكنوا من منع البرلمان من عقد جلستين تشريعيتين على جدول أعمالهما مشاريع قوانين مثيرة للجدل. وأثمر حراكهم فوز محام مستقل بوجه أحزاب السلطة على رأس نقابة المحامين في بيروت.

وبعد أسابيع من استقالة الحريري، لم يحدّد رئيس الجمهورية بعد موعداً لبدء استشارات نيابية لتسمية رئيس حكومة جديد، في ظل انقسام بين أركان السلطة حول شكل هذه الحكومة التي يريد المتظاهرون أن تضم اختصاصيين مستقلين لتتمكن من حل الأزمات الاقتصادية والمالية الخانقة.

واستفاق المتظاهرون صباحاً على إقدام مجهولين على إحراق مجسم لقبضة عملاقة في وسط بيروت رفعت قبل اسابيع وتعتبر بمثابة «رمز الثورة». فتمّ مساء إحضار مجسم جديد إلى الساحة تمهيداً لرفعه، بعدما تطوعت شركة خاصة لإنجازه بسرعة قياسية.

وتحولت التظاهرة في بيروت مساء الى احتفال في الهواء الطلق على وقع موسيقى عربية وغربية ألهبت حماسة المتظاهرين من مختلف الأعمار والمناطق.

ورغم سعي السلطة للالتفاف على مطالبهم، يحتفظ المتظاهرون بأملهم في التغيير.

على هامش مشاركتها في مسيرة خاصة بالفنانين والعازفين انطلقت من الحمرا، قالت ليلى، سيدة في الخمسينات، وهي تطرق طبقين معدنيين أحدهما بالآخر، «كانت أقدام السياسيين على رؤوسنا» قبل التظاهرات، لكن اليوم «وجدنا كرامتنا، مع أن جيوبنا ما زالت فارغة».

وأضافت «آمل أن يشكل يوم الاستقلال في العام 2019 تحولاً» في حياة اللبنانيين.

وليست هذه المرة الأولى التي يتظاهر فيها اللبنانيون بحماسة. ففي العام 2005، شهد وسط بيروت تظاهرات شارك فيها مئات الألوف أعقبت اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وأدت إلى خروج القوات السورية من لبنان، لكنها جاءت تجاوبا مع نداءات أحزاب سياسية.

وتقول دينا أبو ضهر (55 عاماً) «هذه أول مرة يعني لي عيد الاستقلال. نشعر بإحساس مختلف هذا العام».

وجذبت احتفالات الاستقلال لبنانيين مغتربين قرروا المجيء إلى بيروت، بعضهم بمبادرة فردية وآخرون ضمن حملة أطلقتها مجموعة ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

ووصل المئات إلى مطار بيروت الدولي قادمين من دول عدة أبرزها فرنسا.

وقالت ماري القادمة من باريس في باحة المطار بينما وضعت العلم اللبناني حول عنقها لقناة المؤسسة اللبنانية للإرسال «جئنا هذه المرة نصنع وطناً يشبهنا».

وقالت سيدة أخرى «نحن مغتربون في الخارج لكن قلوبنا مع أبناء بلدنا، جئنا لندعمهم ونقول لهم: لستم لوحدكم».

من جهة اخرى، ذكر مصدردبلوماسي فرنسي أن فرنسا حليفة لبنان التقليدية، تحاول تعبئة الأسرة الدولية لمساعدة هذا البلد على الخروج من أزمته لكنها لن تفرض حلولا «جاهزة أو خارجية».

وقال المصدر لصحافيين «نحن هنا لتكون طرفا مسهلا للتعبئة الدولية» مشددا على «الدور الخاص لفرنسا على الصعيد الدولي وفي العلاقة مع لبنان».

ومنتصف تشرين الثاني زار كريستوف فارنو مسؤول شمال افريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية الفرنسية بيروت ثلاث مرات للقاء مسؤولين سياسيين منهم الرئيس ميشال عون.

وأضاف المصدر «كما تحدثنا إلى اللبنانيين الآن علينا التحدث إلى الجميع. علينا إشراك دول عربية وأوروبية وكذلك الأمم المتحدة. بعبارة نتحاور مع الجميع».

ونظم تجمع أمام السفارة الفرنسية خلال زيارة الموفد كريستوف فارنو احتجاجا على «تدخل أجنبي» محتمل.

وأوضح المصدر «بالنسبة لنا لا نريد أن نفرض حلا جاهزا أو من الخارج. ما يمكننا القيام به وسنواصل القيام به هو المساعدة على تعبئة الشركاء الدوليين الآخرين».

وترغب فرنسا في تنظيم اجتماع دولي في الأسابيع المقبلة لمساعدة لبنان شرط أن تتعهد الحكومة المقبلة بتطبيق إصلاحات في العمق.

وأفد المصدر الدبلوماسي «على الفريق الذي سيشكل أن يعلم بأنه شكل لاتخاذ قرارات سريعة حول الإصلاحات العاجلة التي يتوقعها الشعب اللبناني».

وجدد عون الخميس دعوته «للحوار» مع الشارع دون تقديم مقترحات ملموسة. الثلاثاء أكد أنه منفتح لحكومة تضم ممثلين عن الحراك الشعبي. لكنه شدد على ضرورة وجود وزراء يمثلون الأحزاب التي يحتج عليها المتظاهرون منذ خمسة أسابيع.

«ريّا الحسن» قلقة من المرواحة السايسية

من جهتها، أعربت وزيرة الداخلية والبلديات اللبنانية ريّا الحسن عن «قلقها نتيجة استمرار الأوضاع السياسيّة بالمراوحة، وعدم التواصل إلى قاسم مشترك بين الافرقاء السياسيين وبين المتظاهرين، وبالتالي الغموض حول إلى أين سيذهب البلد».

ورداً على سؤال على هامش الإحتفال بعيد الإستقلال، امس الجمعة، كشفت الحسن أنّ «تحقيقاً قد فتح في بعض الاماكن التي شهدت اضطرابات، مثل الرينغ وساحة رياض الصلح»، وقالت: «لدينا معلومات وضعناها بتصرف المدعي العام التمييزي لاتخاذ الاجراءات القضائية المناسبة».

وأكّدت الحسن على «ضرورة الحوار والوصول الى قاسم مشترك بين السلطة والمتظاهرين»، متحدثة عن قلقها من «عدم التنازل من الفرقاء السياسيين ومن المتظاهرين، ما سيؤثر على البلد والمتظاهرين وعلى مستقبل الأجيال».

ونفت وزيرة الداخلية أن «تكون القوى الامنية قد افرطت باستعمال القوة لتفرقة المتظاهرين، لان التعليمات واضحة جداً بعدم استعمال القوة مع المتظاهرين، بل بضرورة فتح الطرقات وعدم اقفالها، وهي مسؤولية امامي كوزيرة للداخلية ان افتح الطرقات».

«كليب» يستقيل من «الميادين»

من جهته، أعلن الإعلامي اللبناني المشهور سامي كليب مساء امس استقالته من قناة «الميادين» المحسوبة على جماعة حزب الله، وذلك بتغريدة عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، قال فيها: «انسجاماً مع أفكاري وقناعاتي وضميري، استقلتُ اليوم من قناة (الميادين)، متمنيًا لها دوام التقدُّم والنجاح».

وكان كليب غرّد قبل نحو ساعتين من إعلان استقالته: «لا يوجد دولة في العالم تتعايش فيها انتفاضة شعبية مع استمرار الشرعية... فقط في لبنان كل شيء قابل للتأقلم».