ينبغي أنّ نكثّف البحث في الأسباب والبواعث التي أدت إلى أن يحظى جلالة الملك عبد الله الثاني بالفوز بجائزة رجل الدولة الباحث لعام ألفين وتسعة عشر، وليس هذا فحسب بل ولكونه أول زعيم عربي يتسلمها منذ تأسيسها قبل نحو ثلاثة عشر عاماً، وتلك الأسباب والتي إن أُعلنت على لسان قادة معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط بأنها تقدير لقيادة جلالته الشجاعة والتزامه العميق بالسلام والاعتدال، فإنّ علينا كأردنيين أن نمعن النظر في هذا القول لنقف على حقيقة وحجم الجهد الذي قام به جلالته منذ عقدين من الزمن ووجّهه نحو خدمة قضايا المنطقة العربية وخاصة فلسطين ومسألة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية التي شكلت مبدأً راسخاً في نهج حكم جلالته كقائد هاشمي ورث الوصاية عن أجداده ولا يتخلى عنها مهما بلغ الثمن.

الملك عبد الله قائد متميز، صلب، شجاع، مثابر، دبلوماسي من طراز رفيع، وغير ذلك مما يمكن لنا تعداده في شخصيته والتي مكّنته من أن يقف صامداً فيوجه التحديات التي لم تغب عنه طيلة العشرين سنة من حكمه سواء أكانت في إطارها الداخلي أو الخارجي حيث شاءت له الأقدار أن يحكم في منطقة محاطة بأزمات ومشاكل وشهدت أحداث عنف وإرهاب وتطرف ما كان الأردن ليكون عنها ببعيد لولا حكمة جلالته ودقة قراءته للمشهد وحمله سلاح الكلمة والحوار ومواصلة نداءاته بضرورة بلورة جهد دولي موحد للتصدي لمثل هذه الأعمال التي تستهدف القيم والعادات وتعاليم الأديان السماوية السمحة التي تدعو للعيش المشترك والوئام والانسجام بين بني البشرية جمعاء.

ما أشار إليه قادة معهد واشنطن كمبررات لمنحه الجائزة، وبما مؤداه حُسن استثمار جلالة الملك في إمكانات شعبه، يعيدنا وجوباً إلى ما قاله الأمين العام لجامعة الدول العربية خلال تفضله بتسليم جلالته درع العمل التنموي قائلاً بالحرف» لقد استثمرتم في الإنسان وكان هذا خياراً استراتيجياً تبنته المملكة وتجني اليوم ثماره» وبالتالي فإنّ دقة التطابق في القولين تؤكدان عمق نظرة جلالته ومدى تقدير العالم له فيما يخص إيمانه بالقدرات الهائلة التي يمتلكها العقل البشري في الأردن والتي كانت رافداً من روافد تحقيق التنمية، ما جعل رؤية الملك محط أنظار العالم ومؤسساته ومن بينها معهد واشنطن الذي قرر قادته منح الملك الجائزة لهذا العام.

وغني عن القول أخيراً أن جائزة رجل الدولة الباحث هي واحدة من بين سلسلة من الجوائز العالمية التي حصل عليها جلالة الملك خلال العقدين الماضيين من حكمه تقديراً لدوره وشجاعته في جهود تعزيز السلام والعيش المشترك وأنه مستمر منذ توليه مسؤولياته ملكا للأردن ببذل جهود تحقيق الوئام داخل الإسلام وبين الإسلام وغيره من الأديان، وأنه لم يسبقه في هذا المضمار أي زعيم سياسي آخر على قيد الحياة، ولنا في جائزة مؤسسة جون تمبلتون، وجائزة ويستفاليا، وجائزة الطبق الذهبي، وجائزة مصباح السلام شواهد حيّة على ما نقول.

Ahmad.h@yu.edu.jo