يخطئ من يظن أن الفساد وأدواته وتشعباته واتباعه هي ظواهر يقتصر وجودها وانتشارها في الدول التي تسعى للتطور والنمو أو في القسم المصنف بالعالم الثالث فالفساد مثل الإرهاب لا دين له ولا موطن. وهو يشبه السرطان الذي يصيب الصغير والكبير، القوي والضعيف، الغني والفقير. الأول والثاني من صنع الإنسان وتخطيطه، أما الثالث فهو قضاء وقدر يتم بمشيئة الخالق عز وجل. وثلاثتهم قابل للسيطرة والمعالجة، إذا ما تم اكتشاف وتحديد المؤشرات في الوقت المناسب.

ما يحدث في عدد من الدول العربية ومنذ بداية ما يسمى بالربيع «الكابوس» العربي عام 2011 في تونس في طبعته الأولى، كان عبارة عن انتفاضة متأخرة من قبل فقراء تلك الدول على السلطات الحاكمة ووضع اللائمة عليها بحجة ممارستها للفساد الذي أدى إلى إفقارهم! في هذه الدول كان الشارع هو أرض المعركة ومن يسيطر عليه هو المنتصر، سواء كان على حق أو باطل.

كان شعار تلك الاحتجاجات هو إسقاط الأنظمة ورموزها كما حدث في تونس وليبيا ومصر والسودان واليمن وسوريا والجزائر، أي اجراء عملية «أفرهول سياسي» عاجل وفوري دون الاعداد للبدائل القابلة للحياة والصمود. في كل هذه الدول ما تزال الأمور غامضة وتراوح محلها باستثناء تونس، وكأن العلاج اقتصر على نوع من التخدير لا يعرف أحد مدة سريان مفعوله.

أما في الطبعة الثانية التي نتابع تطوراتها هذه الأيام في الحالتين اللبنانية والعراقية، فقد تم رفع سقف المطالب إلى إحداث تغيير جذري يشمل المنظومة السياسية التقليدية برمتها والقائمة على الطائفية المتجذرة فيهما، منذ الاستقلال عن الاستعمار في أربعينيات القرن الماضي. بعبارة اخرى يطالب المحتجون في لبنان والعراق بإجراء عملية جراحية فورية ومستعجلة في غاية التعقيد، لكن دون توفر البيئة الصديقة لإحداث مثل هذا التغيير في الوقت المطلوب

الولايات المتحدة «العظمى» تشهد أيضاً أوار انتفاضة سياسية نادرة ضد الفساد لكن بأدوات وأجواء مختلفة. فالحزب الديمقراطي يتهم الرئيس الجمهوري «ترمب» بالفساد وبسوء استخدام السلطة لتحقيق مآرب شخصية وحزبية له، لأنه حسب الرواية الديمقراطية مارس الضغط والابتزاز على » فلودومير زيلنسكي» رئيس أوكرانيا الدولة الصديقة للغرب، واضعاً مصلحته الشخصية والحزبية فوق المصالح الوطنية العليا لأميركا.

إذ ربط الرئيس الأميركي في مكالمة هاتفية مع الرئيس الاوكراني، حسب نفس الرواية، استمرار المساعدات الأميركية وحجمها لاوكرانيا، التي تواجه المشاكل مع جارتها الكبيرة روسيا، بقيام الرئيس الاوكراني باجراء تحقيق حول نشاطات «هنتر بايدن» التجارية في اوكرانيا، أي اجراء مقايضة كما في عالم الاعمال الذي برع فيه «ترمب» قبل أن يصبح رئيساً. و«هنتر» هو ابن المرشح الديمقراطي القوي «جو بايدن» الذي قد ينافس «ترمب» في الانتخابات الرئاسية في العام القادم، مما اعتبره الديمقراطيون ومؤيدوهم في الصحافة والإعلام تجاوزاً مقلقاً لصلاحيات الرئيس الدستورية.

هنا فساد وهناك فساد. الأول طابعه سياسي بحت كما في أميركا، والثاني سياسي واقتصادي واجتماعي مركب كما في بعض الدول النامية حيث تدار المعارك في الشوارع، أما هناك فتدار في أروقة المؤسسة التشريعية. هنا تسيل الدماء ويسقط الضحايا، وهناك يسكب الحبر وتتكدس التقارير!

المفارقة بين المشهدين هي أن ما يحدث في بعض أقطار آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية من احتجاجات ضد الفساد لن يتجاوز تأثيرها حدود كل دولة بعينها. أما إذا حدث تغيير في قمة هرم السلطة في أميركا فإن التداعيات والنتائج المترتبة ستطال كل بقعة على هذا الكوكب، بما في ذلك مصير المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان واثيوبيا حول تقاسم مياه نهر النيل الخالد

كيف إذن يمكن نقل أرض معركة الفساد من فوضى الشوارع إلى أروقة المشرعين؟