تولي الكثير من الأنظمة كبير الاهتمام بالتعليم العام والتعليم العالي، باعتباره الأداة والوسيلة الأفضل والأنسب لتحقيق أهداف المجتمعات والارتقاء بها نحو أهدافها المنشودة. ويعد الإنفاق على التعليم إنفاقاً مستحقاً ومقبولاً، لا بل ومقدماً على الكثير من القطاعات العامة لأي دولة تسعى حقاً إلى ولوج الألفية الثالثة بقوة. ولا يخفى على أحد ما يختلف به عالم اليوم عن عالم الأمس من حيث التحديات والمعضلات التي تبرز بين الحين والآخر، وتحتاج إلى معالجات جذرية.

ولعل من أبرز هذه التغييرات النظر إلى المعرفة باعتبارها المصدر الأهم لاقتصاد اليوم، فبعد أن كانت الموارد والمصادر الطبيعية المصدر الأهم لاقتصاد أي دولة أو كيان، باتت المعرفة المصدر الأهم وعصب الاقتصاد الحديث. ولعل من الأمثلة التي يمكن سوقها في هذا المجال اليابان، والتي تعد من الدول الفقيرة في المصادر والثروات الطبيعية ولكنها الآن من أقوى اقتصادات العالم بفضل المعرفة التي استطاع اليابانيون أن يولدوها وينتجوها في مختلف ميادين المعرفة.

كما أن الثورة التكنولوجية وتكنولوجيا الاتصالات قد أحدثت تغيرات كثيرة وجذرية في حياة الناس، وأضحى مواكبة هذه التغيرات والإفادة منها أحد أهم تحديات التعليم في مختلف دول العام.

ولقد حدثت تغيرات كبيرة وجذرية في مفهوم التعليم والشهادة التي يحتاج إليها الإنسان في حياته، فقد كانت على سبيل المثال لا الحصر عندنا في الأردن شهادة المترك كافية ليعيش الإنسان بها حياة حرة كريمة، يستطيع من خلالها الحصول على وظيفة جيدة وراتب مناسب، ثم تراجع المترك، وأصبح «التوجيهي» الشهادة التي يشترط الحصول عليها للوصول إلى الكثير من الوظائف، ثم أصبحت الشهادة الجامعية الأولى شرطاً لكثير من الوظائف التي كانت شهادة الثانوية العامة أو شهادة المترك شرطاً لازما لها، ويتوقع وبعد فترة لا أراها بعيدة أن تحل درجة الماجستير بدلا من الشهادة الجامعية الأولى ثم تحل الدكتوراة بدلاً من «التوجيهي» أو ربما «المترك». فلقد تغيرت طبيعة الوظائف والمهارات التي يحتاجها صاحب العمل، وتعقدت حياة الناس، ما أدى إلى تغير في مستوى الشهادات والكفايات والمهارات التي على المتعلم اتقانها واكتسابها.

كما وحدثت تغيرات جذرية في أعداد وأنوع الطلبة، فلقد بتنا نعيش الآن في مجتمع متنوع من الطلبة، فبعد أن كان التعليم إلى عهد ليس بالبعيد حكراً على الرجال أصبحت نسب الإناث مساوية فيه لنسب الرجال، لا بل قد تفوق نسب الطلبة الذكور، وبعد أن كان التعليم العالي محصوراً في فئات اجتماعية واقتصادية محددة، أصبح متاحاً للجميع، وبعد أن كانت المدارس والصفوف منغلقة ومعزولة، أصبحت البيئة التعليمية مفتوحة وبيتاً لجميع الطلبة من شتى الأعراق والمنابت، وأمام هذا التنوع والتغير فإن الجامعات مطالبة بالتنوع في طرائق التدريس لتواكب وتعالج كل هذه التغيرات، ومطالبة بتقديم المعارف اللازمة.

ولقد جاءت فكرة التعلم المستمر أو المستدام، استجابة طبيعية للتغيرات التكنولوجية والقضايا المعقدة التي بدأت تظهر في أغلب المجتمعات الحديثة. إن توفير فرص عمل كافية ومناسبة والأمية التكنولوجية وتعقد المشكلات البيئية والتعدد العرقي الثقافي امثلة على بعض هذه التغيرات والتي تحتاج منا جميعاً أن نعد طالبنا ليكون قادراً على التكيف معها ومعالجتها في عالم سريع التغير.

ولأن الطالب أو المتعلم وقد تحققت لديه الأهداف (أهم مدخلات أي نظام تعليمي)، والأستاذ المؤهل، أهم عناصر العملية التعليمية، فإن بقية العناصر الأخرى تعمل عناصر مساندة لتعليم الطالب وتحقيق الأهداف. إن نقل المعرفة من الأستاذ إلى الطالب، لم تعد غاية الآن، لا بل أن الطالب اليوم شريك في عملية التعلم، ومطلوب من الأساتذة، أن يصلوا بالطلبة إلى تقييم المعرفة وتطويرها، لا بل وإنتاجها. والاتجاهات الحديثة في التدريس تقوم الان على مبدأ توفير المعرفة للطالب متى أراد، وكيفما أراد، ووقتما أراد، وهذا ما يمكن أن توفره تكنولوجيا التعليم. ففي الصف التقليدي يجلس الطالب ويسمع ويكتب ملاحظات الأساتذة وتكون المعلومة مقدسة، بينما في الصف الحديث، المعرفة مكتسبة، ويشارك الطالب أساتذته في الوصول إليها وتقييمها وتطويرها لا بل وإنتاجها، لأن التدريس شراكة وتعاون.

جامعة مؤتة- كلية التربية